حين أضيعُ…
تفتحينَ الجهاتِ القديمةْ
وتنبتُ في الذاكرةْ
أغنياتُ الحقولِ التي كُنْتِ فيها
وأنتِ تلوحينَ من فوقِ شرفةِ قلبي،
وتنسينَ أني
هُنا…
لا أراكِ.
لأنكِ حين تضحكينْ
يتحوّلُ وجهي إلى خارطةْ
وتصيرينَ “صنعاءَ”
حين تغنّي الشوارعُ طيفكِ
وحين تمشّطُ ذاكرتي
أرصفةَ الانتظارْ.
أنا لا أعودُ إليكِ
لأنكِ مقيمةٌ في رجوعي
وكلُّ طريقٍ
يعودُ إليكِ خُطىً خائفةْ
وكلُّ السكوتِ الذي بيننا
كان يُصغي إليكِ.
أحبكِ؟
لا.
أنا أعبدُ الذكرياتِ التي كنتِها
وأحنُّ إليكِ
كأنكِ
وطنْ
تشرّدَ عني،
ولمّا التقينا
نسيتُ الحدودْ
وصرتُ ابنكِ الوحيدْ.
إذا قلتُ إنّي نسيتكِ
كذبتُ…
وإنّي عبرتُ هواكِ
افتريتُ على النارِ فيّ.
وإنّي شفيتُ،
فكيفَ يشافى الذي
يتنفسكِ الآنَ،
مثل الهواءْ؟
تغيّبتِ عني
فأطفأَ ضوءَ المساءِ الحنينُ
وصرتُ
أرى في مرايا الطريقِ
دموعَ الشوارعْ
وحزنَ الأرصفةِ
التي كنتِ تسيرين فيها.
دعيني أقولُ الحقيقةَ دون ارتجافْ:
أنا لا أنامُ
لأنكِ
تسهرينَ في قلبي
كغيمةِ نايٍ
تجيدُ المواويلَ
ثم تذوبْ.
أحبكِ؟
بلْ
أنتِ وطني
إذا ما توارى الوطنْ
أنتِ حدودي
إذا ما تكسّرتِ الخريطةْ
أنتِ أنا
حين أنسى
من أكونْ.
تعالَيْ…
ففي لحظتي وجعٌ
يشبه الموتَ
حينَ أراكِ
ولا أستطيعُ الكلامْ
وفي رعشةِ الصوتِ
تسكنُ لهفتي الأخيرةْ
كأنكِ
سؤالٌ
أضاعَ الجوابْ
كأنكِ نارٌ
تُرتّبُني من رمادْ
وتُبقيني بين احتراقينِ
لا ينتهيانْ
كأنكِ
سماءٌ نسيتْ أن تمطرْ
فظلّتْ
تنوحُ
على عطش الأرضِ
فيّ
كأنكِ
بقايا سلامٍ
تلوّحُ لي من خرابِ المدينةْ
وتهمسُ:
“تعالَ،
دعِ الحربَ،
عُدْ…”
كأنكِ
بكاءُ القصيدةِ
حين تموتُ
ولا يُسعفُ الوزنُ جرحَ المعاني
كأنكِ
أنا
حينَ أنسلُّ من بين أنفاسي
لأكتبكِ الآنَ
ثمّ أموتْ.
لأني إليكِ
رجعتُ كثيرًا
وما زلتُ
أخشى الرجوعْ
لأني فقدتُ الجهاتْ
وأنتِ الجهةْ
فلا تسألي: “أين كنتْ؟”
فأنا
منذُ كنتِ
أفتّشُ عنكِ
ولا أرجعُ الآنْ…