تعلو بليلِ الخانعين مشاعلُه
وتفيضُ جدبَ الظامئين مناهلُه
فيهِ البلاغةُ والعلومُ مَفاخِراً
والجودُ والورعُ العظيمُ شمائلُه
تهفو إليه العالياتُ لمجدهِ
ولجاهِه كلُّ الأنامِ تجاملُه
خيرُ الرجالِ شهامةً تحيا به
وبه تناختْ للفداءِ قبائلُه
وطنٌ سخيٌّ والكرامُ جياعهُ
حتّى تنعّم بالمكارمِ نازلُه
هذا العراقُ حضارة ومسلّة
أعطتْ إلى الدنيا الحروفَ أوائلُه
أرضُ العراقِ بكلِّ ركنٍ مرقدٌ
للأنبياءِ وفي القداسِ محافلُه
وبه عليٌّ والحسينُ وكربلا
فبمنْ لمن ملكَ النجومَ يباهلُه
قد باركَ اللّهُ العراقَ بهديه
لا أرض غير القبلتين تُماثلُه
أسجدْ لربّك إنْ قربت حدودَه
ستريك آياتَ السماءِ مشاعلُه
نعليك أخلعْ إنْ وطئت ترابَه
ضمّ النبوّةَ والإمامةَ داخلُه
في كلِّ شبرٍ للشهادةِ منحرٌ
ودمٌ بشاطئهِ النخيلُ وباذلُه
يسقي الشهيدُ بنحره بذرَ الهدى
وتصوغ من دمَهِ الحياةَ أناملُه
شعبٌ يهابُ الموتُ ظلّ خياله
كالزبرِ تعلو الرافدين جدائلُه
ما عاشَ من يرثي العراقَ جنازةً
فهوَ الخلودُ ولو تمادى قاتلُه
نحرُ الشهيدِ وكلُّ حرٍ ساجدٍ
والعزُّ والشرفُ الرفيعُ يغازلُه
عجباً أيُرثى من به دررُ الهدى
وقلوبُ كلّ الأولياءِ منازلُه
كيف المخادعُ بالرياءِ يهزُّه
ولقد تكشّف للأنامِ تحايلُه
تبّاً لناعيةِ العراقِ ألا رأتْ
كيف الحياةُ من الحتوفِ تقابلُه
تأتي المصائبُ جملةً لكنّما
دامتْ شموخاً للبناءِ معاولُه
ما كان يوماً للسباعِ فريسةً
رغم الجراحةِ ما تجرّأ آكلُه
حتّى وإنْ عبرَ القفارَ لوحدِه
حُملتْ على كفِّ الرياحِ جمائلُه
إنْ كانَ للشعبِ القمامة لقمةً
فمِنَ الكرامةِ زادهُ ومناحلُه
ما باتَ مكسور الخواطر جائعٌ
أو أخجلَ الطفلَ المرقّعُ ساملُه
خيرُ العراقِ إذا رأيتَ فُتاتَه
مثل السحابِ روى الصَحَاري وابلُه
اليوم يُشبعُ بالنخيلِ جياعَه
وغداً تعولُ الجائعين فسائلُه
هو تاجرٌ ربحَ الحياةَ كرامةً
وإذا يعوزُ فعزُّ ربّك كافلُه
ما عاشَ أيّامَ المصائبِ يائساً
أو خابَ عن لجم القنوت تفاؤلُه
رغم اللصوصِ على مسالكهِ يد
ترقى إلى برّ الأمانِ قوافلُه
لو باتَ يسرقُ قوتَه متسوّلٌ
حتماّ يقطّعُ كفّه ويسائلُه
مثلُ الخريفِ تساقطتْ أوراقُه
هوَ حالُ من خانَ العراقَ وخاذلُه
إنْ تدنُ من بلدِ الإباءِ مطامعٌ
سيذيقها مُرّ الحتوفِ مقاتلُه
فرّتْ من الذعرِ الأسودُ بنومِه
كيفَ النعاجُ إذا يقومُ تُنازلُه
ما أقبرَ الموتُ العراقَ وأنّما
عنّه تنحّى حين رامَ يطاولُه
مَنْ قالَ شعب الرافدين مُجزّأٌ
كذبَ الخطابُ وخابَ مَنْ هو قائلُه
ما فرّق الدينُ الشعوبَ ولا الهدى
لكنّه مكرُ النفاقِ وباطلُه
وطني العراقُ ومنْ ثراه معدني
والدّمُ دجْلةُ والفراتُ فصائلُه
روحي فداه هل تردّ عطاءه؟
وأنا البخيلُ وطافَ فقري نائلُه
لو بتّ أنشدُ غيرَه لمواطنٍ
ستلمُّني بالمعضلاتِ بدائلُه
كالواحةِ الخضراءِ دامَ عطاؤه
للسائلين وإنْ تجشّمَ كاهلُه
علمُ العراقِ على المحافلِ أيةٌ
تعلو به الدنيا ويعلو حاملُه
إنْ دامَ دينُ الحّقِ نهج حياتهِ
حرّاً تنامى والتقاةُ جحافلُه