بَدَأتُ بِذِكرِ اللهِ جَلَّتْ صِفاتُهُ
هُوَ المُنْعِمُ الوهَّابُ جَزْلُ المَواهِبِ
سَلَامِي عَلَى الهَادِي النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ
طَهُورِ السَّجَايَا طَيِّبِ المَنَاكِبِ
صَلَاةٌ عَلَى الآلِ الكِرَامِ وَصَحْبِهِ
أُولِي العِلْمِ وَالتَّقْوَى هُدَاةِ المَوَاكِبِ
سَلامِي لِمَنْ زَكَّى الإِلَهُ شُؤُونَهُ
نَبِيٍّ كَرِيمٍ نَيِّرِ المَرَاكِبِ
فَيَا وَيْحَ أَهْلِي حِينَ أُبْلَى بِدَارِهِمْ
وَأُسْقَى كُؤوسَ المَوْتِ بَيْنَ الأَقَارِبِ
يَدِبُّ فَنَاءُ النَّفْسِ فِي كُلِّ وُصْلَةٍ
دَبِيبَ صِلَالٍ فِي رِمَالِ السَّبَاسِبِ
يَرُودُونَ جَنْباً عَزَّ فِيهِ هُدُوءُهُ
عَلَى مَهْدِ سُقْمٍ ضَاقَ بَيْنَ الجَوَانِبِ
يَرُودُونَ طَرْفاً نَحْوَ جَنْبٍ تَقَلَّبَا
وَغَصَّتْ تَرَاقِيهِ بِمُرِّ المَشَارِبِ
يَعُدُّونَ أَنْفَاسِي وَدَائِي غَمَامَةٌ
تُحِيطُ بِقَلْبِي فِي لَظَى كُلِّ وَاصِبِ
تَمُدُّ الرَّدَى نَحْوِي طِوَالَ حِبَالِهَا
فَأَصْبَحْتُ رَهْناً بَيْنَ مَاضٍ وَآيِبِ
وَلَا تَحْسَبُوا أَنِّي رَقَصْتُ لِغِبْطَةٍ
فَمَا ذَاكَ إِلَّا رَقْصُ حَرِّ النَّوَائِبِ
فَمَا الطَّيْرُ مَذْبُوحاً يُوَقِّعُ رَقْصَهُ
سِوَى لُوعَةٍ أَنْحَتْ عَلَيْهِ بِخَالِبِ
فَمَا رَقْصُ مَذْبُوحٍ مِنَ الطَّيْرِ لَذَّةٌ
وَلَكِنَّهَا أَوْجَاعُ جَرْحٍ بِغَالِبِ
وَمَا رَقْصُ مَذْبُوحِ الطُّيُورِ سِوَى مُنَىً
لِإِخْفَاءِ جُرْحٍ غَارَ بَيْنَ المَرَاقِبِ
تَرَى الجِسْمَ يَهْتَزُّ ارْتِجَافاً بِنَزْعِهِ
فَيَحْسَبُهُ الرَّاؤُونَ لَهْوَ اللَّوَاعِبِ
تَلُوعْتُ حَتَّى قَالَ مَنْ أَبْصَرَ الضَّنَى
أَمِ الصَّبْرُ جُسْمَانٌ بِثَوْبِ المَنَاقِبِ
تَلَوَّعْتُ حَتَّى قِيلَ هَلْ ذَاكَ بَشَرٌ
أَمِ الصَّبْرُ جُسْمَانٌ بِثَوْبِ المَحَارِبِ
رَمَتْنِي صُرُوفُ الدَّهْرِ بِمَا لَمْ يُصِبْ بِهِ
قَدِيماً خَلِيلاً فِي دَهِيِّ المَعَاطِبِ
رَأَيْتُ عَذَاباً مَا رَآهُ ذَوُو النُّهَى
مِنَ الصَّابِرِينَ القَانِتِينَ الأَطَايِبِ
وَلَوْ أَنَّ أَيُّوباً رَأَى بَعْضَ مَا أَرَى
لَآبَ إِلَى الرَّحْمَنِ جَزْلَ المَثَاوِبِ
فَقَدْ بَذَّ ضُرِّي صَبْرَ آلِ ابْنِ عِيصِنَا
وَأَصْبَحْتُ فِي الأَوْجَاعِ فَذَّ الغَرَائِبِ
بَلَائِيَ لَمْ يَتْرُكْ لِعَيْنِيَ غَفْوَةً
وَلَا لِعُرُوقِي مَسْلَكاً لِلْمَهَارِبِ
أَغَصُّ بِرِيقِي وَالمَرَارَةُ جَمَّةٌ
وَمَا الشَّهْدُ يُنْجِي مِنْ مَرِيرِ العَوَاقِبِ
وَيَا مُهْجَةً عَاثَ الفِرَاقُ بِأَمْنِهَا
وَدَاعاً فَإِنَّ المَوْتَ حَتْمُ الرَّكائِبِ
شَكَوْتُ إِلَيْكِ الضُّرَّ وَالدَّمْعُ فِائضٌ
فَهَلْ يُطْفِئُ النِّيرَانَ فَيْضُ السَّكائِبِ؟
لَئِنْ شَحَبَتْ مِنِّي المَحَاسِنُ بَعْدَمَا
رَمَتْنِي اللَّيَالِي بِالخُطُوبِ السَّوالِبِ
فَإِنَّكِ فِي جَفْنِي ضِيَاءٌ وَمَوْئِلٌ
إِذَا أَظْلَمَتْ دُنْيَايَ خَلْفَ الحَجائِبِ
أُكَابِدُ آلامَ النَّزِيِعِ وَغُصَّتِي
تَذُوبُ لَهَا حُزْناً قُلُوبُ الحَبائِبِ
وَمَا كُنْتُ أَخْشَى المَوْتَ لَوْلَا مَرارَةٌ
تَعَضُّ فُؤاداً مُسْتَهَاماً بِغائِبِ
فَإِنْ جَفَّ عُودِي وَالذُّبُولُ أَصَابَنِي
فَحُبُّكِ رِيٌّ فِي جَفَافِ التَّرَائِبِ
عَهِدْتُكِ يَا أُنْسَ الحَيَاةِ بَشَاشَةً
فَلَا تَنْحَنِي حُزْنًا لِوَقْعِ المَصَائِبِ
لَئِنْ عَزَّ فِي الدُّنْيَا لِقَاؤُكِ بَعْدَمَا
دَعَتْنِي المَنَايَا مِنْ جَمِيعِ المَقَارِبِ
فَمَوْعِدُنَا فِي جَنَّةِ الخُلْدِ رَوْضَةٌ
تُطَهَّرُ فِيهَا النَّفْسُ مِنْ كُلِّ خَائِبِ
أُحِبُّكِ حَتَّى يَلْفِظَ الرُّوحَ خَافِقِي
وَتُرْفَعَ أَعْمَالِي لِرَبِّ المَطَالِبِ
بَكَيْتُ وَمَا بِي لَوْعَةُ المَوْتِ إِنَّمَا
بَكَيْتُ لِخِلٍّ صَادِقٍ فِي التَّجَارِبِ
يُقَلِّبُنِي كَفُّ الشُّحُوبِ بِعِلَّةٍ
تَغُولُ بَيَاضَ العُمْرِ وَسْطَ المَصَالِبِ
أَرَى لِلْمَنَايَا فِي العُيُونِ حَدِيثَهَا
إِذَا آذَنَتْ شَمْسِي بِدُنْوِ المَغَارِبِ
سَأَمْضِي وَآلَامِي شُهُودٌ لِخَالِقِي
بِأَنِّي صَبُورٌ فِي لَظَى الحَرْبِ رَاغِبِ
وَمَا كَانَ ذَاكَ السُّقْمُ إِلَّا طَهُورَةً
تُصَفِّي حِيَاضَ النَّفْسِ مِنْ كُلِّ شَائِبِ
رَضِيتُ بِمَا خَطَّ المَلِيكُ بِحِكْمَةٍ
وَخَيْرُ عَطَايَا اللهِ أَسْنَى الرَّغَائِبِ
سَيَبْقَى صَدَى شِعْرِي يُجَلْجِلُ بَعْدَمَا
أُغَيَّبُ عَنْ دُنْيَا الصُّدُورِ المَنَاصِبِ
فَيَا أَهْلَ بَيْتِي لَا يَهُدَّكُمُ الرَّدَى
إِذَا غَابَ جُثْمَانِي بِعُمْقِ المَغَايِبِ
فَمَا المَوْتُ إِلَّا غَفْوَةٌ فِي بَرْزَخٍ
يَلِيهِ لِقَاءٌ عِنْدَ رَبِّ المَرَاتِبِ
وَكُونُوا عَلَى الأَيَّامِ أَسْمَى عَرِيكَةً
وَلَا تَسْتَكِينُوا لِلرِّيَاحِ الحَوَاصِبِ
أَقِيمُوا بِوَجْهِ الدَّهْرِ صَلْبَ شَكِيمَةٍ
وَلَا تَسْتَكِينُوا لِلرِّيَاحِ اللَّوَازِبِ
سَيَبْكِي غَدِي خِلِّي وَتَبْكِي مَعَالِمِي
وَتُمْحَى رُسُومِي فِي ذُيُولِ السَّحَائِبِ
نَفَضْتُ يَدِي مِنْ هَذِهِ الدَّارِ بَعْدَمَا
خَبَرْتُ جَفَاهَا فِي شُؤُونِ التَّقَالُبِ
سَلَامٌ عَلَى الدُّنْيَا وَمَنْ حَلَّ فَوْقَهَا
سَلَامَ غَرِيبٍ أَمَّ قَصْدَ المَآرِبِ
وَمَا نَحْنُ فِي الدُّنْيَا لَدَى وَقْعِ حَتْفِنَا
سِوَى هَمَسَاتٍ غُيِّبَتْ فِي الغَيَاهِبِ
إِلَهِي رَجَوْتُ العَفْوَ عَمَّا جَنَيْتُهُ
فَمَا خَابَ مَنْ يَرْجُو جَزِيلَ المَطَايِبِ
عَسَى دَعْوَةٌ فِي جَوْفِ لَيْلٍ أَجَبْتَهَا
تُنِيرُ طَرِيقي فِي ادْلِهَامِ المَغَاهِبِ
حَمِدْتُكَ يَا مَوْلَايَ حَمْداً مُبَارَكاً
فَمَا ضَاعَ مَنْ يَمْضِي بِكُلِّ المَوَاثِبِ
صَلَاةُ إِلَهِ العَرْشِ تَغْشَى مُحَمَّدًا
تُزِيحُ عَنِ الأَرْوَاحِ سُودَ الكَرَائِبِ
فَيَا رَبِّ أَنْزِلْ لُطْفَ عَفْوِكَ فِي الثَّرَى
بِأَعْمَالِ صِدْقٍ كَالنُّجُومِ الثَّوَاقِبِ