تخطَّ إلى المحتوى

نصف قرن و لم

غير معروف

٥٣ بيت

المتفرقات

نِصْفُ قَرنٍ وَ لَمْ

أُبدِّلْ حِذَائِي

ورِدِائِي قَدْ صَارَ مِنْ أَعْضَائِي

نِصْفُ قَرْنٍ ونَيِّفٍ وَ الرَّزَايَا

تَنْفُثُ القَهْرَ وَ الأَسَى في دِمَائِي

نِصْفُ قَرْنٍ لَمْ يَرْتَسِمْ لِيَ ظِلٌّ

وكَأنِّيْ أَهِيمُ في دَهْمَاءِ

أَتَلَوَّى وَ البُؤْسُ يَنْهَشُ أَحْشَائِيْ

بَأَنْيَابِ حَيَّةٍ رَقْطَاءِ

صَامِتٌ وَاجِمٌ أُدَنْدِنُ أَوْجَاعِيْ

أُغَنِّيْ أُنْشُوْدَةَ الأَشْقِيَاءِ

لَيْتَنِيْ لَمْ أَكُنْ أَتَيْتُ إلى الدُّنْيَا

فَكُنْتُ اسْتَرَحْتُ مِنْ أَعْبَائِي

يُقْبِلُ اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ وَ يَمْضِيْ

وشَقَائِيْ يَجْتَرُّ مُرَّ شَقَائِي

شَاءَنِيْ الدَّهرُ أَنْ أَكُوْنَ تَعِيْسَاً

فاسْتَضَافَ الآلامَ في أَحْشَائِي

كَفَحِيْحِ الحَيَّاتِ بَيْنَ ضُلُوْعِيْ

وعَوِيْلِ الرِّيَاحِ في البَيْدَاءِ

وسَعِيْرٌ في دَاخِلِيْ يَتَلَظَّى

كَلَهِيْبِ النِّيْرانِ في الرَّمْضَاءِ

أَوْغَلتْ غَضْبَةُ الحَيَاةِ فَأَصْبَحْتُ

رَمِيْمَاً يَمْشِيْ عَلَى الأَشْلاءِ

كُنْتُ أُصْغِيْ إِلَيْهِ وَ اللَّيْلُ دَاجٍ

وفُؤَادِيْ يَنُوْءُ بِالأَرْزَاءِ

وتَدَاعَى وَ قَدْ أَفَاقَ مِنَ الحُمَّى

وعَادَتْ إِلَيْهِ رُوْحُ البَقَاءِ

قالَ:

هَذِهِ قصَّتِيْ فَقُلْ أَيَّ شَيءٍ

عَنْ عَذَابِيْ وَ مِحْنَتِيْ وَ عَنَائِيْ

قُلْتُ يَا صَاحِبِيْ وَ قَدْ غَلبَتْنِيْ

هَزَّةُ العُنْفُوَانِ وَ الغُلَوَاءِ

إنَّ جُرْحَاً كَمِثْلِ جُرْحِكَ هَذَا

سَوْفَ يَبْقَى شَهَادَةً لِلوَفَاءِ

كُنْ قَوِيِّاً وَ لا تُبَالِ فَهَذِيْ

الأَرْضُ صَارَتْ أُسْطُوْرَةً لِلْفِدَاءِ

كُنْ كَمَا تَقْتَضِيْ المُرُوْءَةُ وَ اشْمَخْ

قِمَّةُ البَذْلِ مَذْهَبُ الشُّرَفَاءِ

مَنْ سِوَى التَّافِهِ الَّذِيْ يَبْتَغِيْ

الشَّأنَ وَ يَسْعَى مِنْ أَجْلِ ذُلِّ الثَّرَاءِ

مَنْ عَظِيمٌ كَمِثْلِ هَذا الَّذَيْ

أَعْطَى دِمَاهُ هَدِيَّةَ العَلْيَاءِ

عَشِقَ المَوْتَ كَيْ يَكُوْنَ عَزِيْزَاً

رُغْمَ أَنْفِ الطُّغَاةِ وَ الجُبَنَاءِ

غَضَّنَتْ وَجْهَهُ السِّنينُ وَ قَدْ

غَارَتْ بِعَيْنَيْهِ وَمْضَةُ النَّعْمَاءِ

عَزَفَتْ أَنْمُلُ القِفَارِ أَغَانِيْهِ

نَشِيْدَاً مُفَجَّعَ الأَصْدَاءِ

في وَمِيْضِ البُرُوْقِ في دَجْنَةِ اللَّيْلِ

وزَجْرِ الرُّعُوْدِ في الأَنْوَاءِ

أيُّهَا الفَارِسُ الَّذِيْ نَصَّبَ المَجْدُ

بِعَيْنَيْكَ عِزَّةَ العُظَمَاءِ

قُلْ لِهَذا المَدَى تَوَقَّفْ فِإِنِّيْ

لَمْ أَزَلْ كَالشُّعَاعِ في الظَّلْمَاءِ

أَنْتَ يَا صَرْخَةَ الزَّمَانِ وَ يَا صَمْتَ

اللَّيَالِيْ يَا مُلْهِمَ الشُّعرَاءِ

كَحَّلَ الفَجْرُ جَفْنَهُ بِكَ لمَّا

نَزَفَ الجُرْحُ هَازِئَاً بِالفَنَاءِ

إنَّنِيْ أَقْرَأُ الزَّمَانَ مَجِيْدَاً

بَيْنَ جَفْنَيْكَ أيُّهَا المُتَنَائِيْ

نَحْنُ أُسْدُ العَرِيْنِ أَهْلُ السَّجَايَا

نَحْنُ رِفْدُ العَطَاءِ والكِبْرِيَاءِ

قَالَ لِيْ كُلَّمَا تَذَكَّرْتُ نَفْسِيْ

في هِضَابِ الجَوْلانِ كَبْشَ فِدَاءِ

أَرْعَدَ الكِبْرُ في كَيَانِيْ وَ خلْتُ

البَرْقَ مُهْرِي وَ الحَشْرَ تَحْتَ حِذَائِي

وتَرَاخَى وَ أَطْبَقَ الجَفْنَ مَحْمُومَاً

وهَزَّتْهُ رَعْدَةٌ مِنْ حَيَاءِ

يَرْقَبُ الصُّبْحَ كَيْ يَزُفَّ إِلَيْهِ

قَبَسَاً مِنْ تَأمُّلٍ وَ رَجَاءِ

تَتَرَاءَى في مُقْلَتَيْهِ الأمَانِيْ

وبِعَيْنَيْهِ عَالَمٌ مِنْ شَقَاءِ

لَمْ تُزَعْزِعْ مِنْهُ الرَّزايَا مَضَاءً

فَازْدَرَاهَا بِنَظْرَةٍ خَرْسَاءِ

أَتْعَبَ الصَّبْرَ صَامِدَاً مِثْلَ طَوْدٍ

في مَهَبِّ الزَّوَابِعِ الهَوْجَاءِ

كَعُقَابٍ أَرْخَتْ جَنَاحَاً وَ نِسْرٍ

زَعْزَعَتْهُ الرِّيَاحُ في الأَجْوَاءِ

حَمَلَ الجُرْحَ بَاسِمَاً يَتَبَاهَى

بِسِلاحَيْنِ نَخْوَةٍ وَ مَضَاءِ

هَكَذَا كَانَ وَ الشُّموخُ بِعَيْنَيْهِ

رَصِيْنٌ مُضَمَّخٌ بالرَّجَاءِ

ضَاحِكَاً سَاخِرَاً يُجَرِّرُ أَذْيَالَ

المآسِيْ إلى المَتَاهِ النَّائِيْ

كَالغزَالِ الجَرِيْحِ ضَلَّ طَرِيْقَ السِّرْبِ

يَمْشِيْ مِنْ شِدَّةِ الإِعْيَاءِ

حَضَنَتْهُ مَفَازَةُ القَفْرِ مَنْهُوكَاً

كَلِيْلاً مُضَرَّجاً بِالدِّمَاءِ

فَهَوَى يَلْثُمُ التُّرَابَ وَ في عَيْنَيْهِ

عُنْفُ الحِجَارَةِ الصَّمَّاءِ

أينَ مِنْكَ العَطَاءُ يَا وَاهِبَ

النُّعْمْى لأَرْضٍ تَبَارَكَتْ بالعَطَاءِ

هَذِهِ الأَرْضُ لَنْ تُذَلَّ وَ فِيْهَا

أَلْفُ وَجْدِيْ وَ خَالِدٍ وَ سَنَاءِ

أمَّةٌ تُشْرِقُ المَكَارِمُ فِيْهَا

مِنْ سَنَاءٍ مُعَمَّدٍ بالسِّنَاءِ

فَتَمُرُّ الأَجْيَالُ تَسْأَلُ عَنْ

قَوْمٍ أُبَاةٍ تَأَزَّروا بالإِبَاءِ

حَمَلُوا رَايَةَ الجِهَادِ وَ سَارُوا

كَأُسُوْدٍ في سَاحَةِ الهَيْجَاءِ

إنَّها أُمَّةُ المَيَامِيْنِ أَرْضُ الفَخْرِ

والعِزِّ وَ العُلا وَ العَطَاءِ

حَبَّذَا المَوْتُ في سَبِيْلِكِ يَا أَرْضَ

البُطُوْلاتِ.. قِبْلَةَ الشُّهَدَاءِ

لَنْ تُسَمَّى الأَمْجَادُ إلاَّ إِذَا صِيْغَتْ

وخُطَّتْ بِأَحْرُفٍ مِنْ دِمَاءِ