مَا لِلْقَوافِي إِذَا رَامَتْ مَحَاسِنَها
عَادَتْ تَجُرُّ ذُيُولَ العَجزِ بِالنَّدَمِ
هِيَ الَّتِي صَاغَها الرَّحمنُ مِنْ أَلَقٍ
فَأَخْجَلَتْ طَلْعَةَ الأَقْمَارِ فِي العَتَمِ
تَمْشِي فَيَبْتَسِمُ المَنْثُورُ مِنْ طَرَبٍ
وَيَسْجُدُ الرَّوْضُ تَعظِيماً لِذِي السَّمَمِ
لا الوَصْفُ يُدْرِكُ ما خَلْفَ الحِجَابِ وَلا
يَقْوَى بَيَانِي عَلَى رَسْمٍ لِمُحْتَشَمِ
إِذَا رَنَتْ، خِلْتَ نَبْلَ الشَّوْقِ مَزَّقَنِي
وَإِنْ بَدَتْ، قُلْتُ هَذَا الفَجْرُ لَمْ يَنَمِ
يَا طِيْبَ عُنْصُرِها، يَا نُبْلَ شِيمَتِها
يَا جَوْهَرَ العِزِّ مَصْبُوباً مِنَ الكَرَمِ
عِفَّاتُهَا لَمْ تَنَلْ مِنْهَا الظُّنُونُ وَلا
مَسَّتْ طَهَارَتَها الآثَامُ بِالوَصَمِ
رَقَّتْ خَلائِقُها، حَتَّى لَوِ انْسَكَبَتْ
لَصَارَ تِرْيَاقُهَا بُرْءاً لِذِي سَقَمِ
مَلِيْكَةٌ، مَوْطِنُ الأَخْلَاقِ مَنْزِلُها
وَتَاجُهَا صِيْغَ مِنْ طُهْرٍ وَمِنْ أَدَمِ
صَمْتِي لَدَيْها مَدِيْحٌ لَيْسَ تَبْلُغُهُ
لُغَاتُ عُرْبٍ وَلا مَا خُطَّ بِالقَلَمِ
فِيهَا مِنَ الحُسْنِ مَا لَا عَيْنُ أَبْصَرَتْ
وَفِي الحَيَاءِ بَهَاءٌ غَيْرُ مُنْقَسِمِ
طُهْرُ السَّجِيَّةِ فِي أَعْطَافِهَا نَبَتَا
كَالمُزْنِ رَاحَ يُغيثُ الأَرْضَ مِنْ وَخَمِ
إِنْ حَدَّثَتْ أَبْلَجَ الأَنْوارُ فِي فَمِهَا
خِلْتَ الفَصَاحَةَ فِي لَحْنٍ وَفِي نَغَمِ
لَا تَسْأَلِ البَدْرَ عَنْ مِعْيَارِ غُرَّتِهَا
فالبَدْرُ يَشْهَدُ أَنَّ الحُسْنَ ذُو هِمَمِ
تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ الجَوْنِ مُقْبِلَةً
فَتَنْشُرُ المِسْكَ فِي الآفَاقِ وَالأَكَمِ
تِلْكَ التي شَرَّفَ الإِجْلَالُ مَنْبِتَهَا
وَأَلْبَسَ اللهُ مَجْدَ الغَيْدِ لِلأَمَمِ
فَلَا تَمُنُّ إِذَا جَادَتْ بِمَكْرُمَةٍ
بَلْ تَحْسَبُ الفَضْلَ فَرْضاً فَيْضَ مُغْتَنَمِ
قَامَتْ عَلَى عَرْشِ عِزٍّ لَا مَدَى لَهُ
فَكَانَ حَاجِبُهَا أَمْناً لِمُنْهَزِمِ
تَبْدُو الرَّزَانَةُ فِي عَقْلٍ إِذَا سَفِهَتْ
نَفْسٌ، فَيَضْحَى بِهَا المَرْفُوعَ لَا الهَرَمِ
يَا نَفْحَةَ القُدْسِ صِيغَتْ فِي مُنَعَّمَةٍ
أَنْتِ المَلَاذُ لِقَلْبٍ بَاتَ فِي غَمَمِ
سَلِ النَّوَاظِرَ هَلْ أَبْقَتْ لَنَا رَمَقاً
أَمْ أَنَّهَا صَيَّرَتْنَا مَضْرِبَ الظِّيَمِ
نَبْلُ العُيُونِ إِذَا مَا رِيشَ مِنْ كَحَلٍ
أَصْمَى فُؤَادَ الشَّجِيِّ المُسْتَهَامِ رُمِي
يَا رَبَّةَ الدَّلِّ، كَيْفَ الدَّرْبُ نَسْلُكُهُ
وَأَنْتِ أَمْضَى مِنَ الصَّمْصَامِ فِي العَزَمِ
فِي ثَغْرِهَا بَرَدٌ، فِي رِيقهَا شَهَدٌ
وَفِي لَمَاهَا شِفَاءٌ لِلْجَوَى الشَّبِمِ
كَمْ بِتُّ أَرْقُبُ طَيْفاً مِنْكِ يَزْوُرُنِي
بَيْنَ الهُجُودِ وَبَيْنَ الدَّمْعِ كَالدِّيَمِ
لَوْلا جَمَالُكِ مَا غَنَّتْ بَلاغَتُنَا
وَلا تَرَنَّمَ حَرْفٌ خَارِجَ العَجَمِ
أَغَارُ مِنْ نَسْمَةٍ تَلْلهُو بِغُرَّتِهَا
وَمِنْ قَمِيصٍ نأى عَنْ لَمْسِهِ قَسَمِي
يَا وَيْحَ قَلْبِي إِذَا مَالَتْ بِقَامَتِهَا
كَغُصْنِ بَانٍ غَدَا يَهْتَزُّ فِي النَّعَمِ
مَا كُنْتُ أَعْرِفُ طَعْمَ المَوْتِ قَبْلَكِ حَتْ
تَى بَدَا المَوْتُ فِي أَجْفَانِكِ النُّجُمِ
أَهْوَاكِ يَا آيَةً لِلْحُسْنِ خَالِدَةً
بَقِيَّةَ السِّحْرِ فِي الآثَارِ وَالرَّقَمِ
كَمْ ذَا أُكَاتِمُ نَارَ الوجدِ فِي كَبِدِي
حَتَّى اسْتَحَالَ دَمِي حِبْراً مِنَ الضَّرَمِ
يَا جَنَّةَ الخُلْدِ فِي دُنْيَا مَفازَتُنَا
أَنْتِ الأَمَانُ لِقَلْبٍ بَاتَ فِي صَمَمِ
لَوْ أَنَّ طَيْفَكِ يَهْدِي الرُّوحَ زَوْرَتَهُ
لَخَرَّ مَيْتُ الهَوَى حَيّاً مِنَ الكَظَمِ
مَا نِلْتُ مِنْكِ سِوَى ذِكْرَى تُؤَرِّقُنِي
وَطَيْفِ طُهْرٍ سَمَا عَنْ وَطْأَةِ القَدَمِ
لَوْ كَانَ لِلْحُسْنِ عَرْشٌ أَنْتِ دَوْلَتُهُ
لَكَانَ لَحْظُكِ مَاضِي السَّيْفِ فِي الحُكَمِ
لَا الذَّنْبُ ذَنْبِي إِذَا مَا صِرْتُ مُغْتَرِباً
فَالْعَيْنُ تَشْرَقُ بِالأَنْوَارِ وَالظُّلَمِ
أَسْرَيْتُ نَحْوَكِ وَالأَشْواقُ تَدْفَعُنِي
كَالمَوْجِ يَقْذِفُ بِالمَجْدُوفِ لِلأَطَمِ
أَنْتِ العَفَافُ الَّذِي ضَاعَتْ مَنَاقِبُهُ
بَيْنَ المَعَاجِمِ مَخْطُوطاً مِنَ القِدَمِ
لَا تَحْسَبِي أَنَّ رُوحِي حِينَ أَهْجُرُهَا
تَقْوى عَلَى العَيْشِ دُونَ الوَصْلِ وَالشَّمَمِ
يَا بَلْسَمَ الجُرْحِ مَا نَادَيْتُ مُعْتَصِماً
إِلَّا وَوَجْهُكِ كَانَ النُّورَ فِي الظِّيَمِ
وَفِي الجُفُونِ سِهَامٌ حِينَ تُرْسِلُهَا
تَذَرُ الفُؤَادَ جَرِيحاً ضَاعَ فِي السَّلَمِ
عَيْنَاكِ بَحْرَانِ، لَا مَرْسَىً لِتَائِهِمَا
إِلَّا الهَلَاكَ بِجَوْفِ المَوْجِ وَالقَحَمِ
سُبْحَانَ مَنْ كَحَلَ الأَجْفَانَ مِنْ غَسَقٍ
وَأَوْدَعَ السِّحْرَ فِيهَا صِيغَ مِن كَظَمِ
إِذَا أَغَضَّتْ رَأَيْتَ الفَجْرَ مُنْكَسِراً
وَإِنْ رَنَتْ، قُلْتَ بَعْثٌ حَلَّ فِي الرِّمَمِ
مَا لِلْغَزَالِ نُفُورٌ مِنْ تَلفُّتِهَا
فَالصَّيْدُ فِيهَا جَمَالٌ غَيْرُ مُنْهَدِمِ
وَفِي القَوَامِ اعْتِدَالٌ لَوْ نَظَرْتَ لَهُ
لَقُلْتَ غُصْنُ لُجَيْنٍ مَادَ فِي النَّسَمِ
كَأَنَّمَا الوردُ يَخْشَى لَمْسَ وَجْنَتِهَا
فَيَسْتَحِي حُمْرَةً مِنْ شِدَّةِ الرَّغَمِ
نُورٌ عَلَى نُورِ حُسْنٍ حِيْن تَنْشُرُهُ
يَغْشَى العُيُونَ فَتَعْمَى عَنْ سِوَى العَلَمِ
فَلَا تَلُومُوا فَتًى هَامَتْ جَوَارِحُهُ
فَالقَلْبُ يَهْفُو لِوَجْهٍ صِيغَ كَالدِيَمِ
يَا دُرَّةً فِي بِحَارِ المَجْدِ غَالِيَةً
أَنْتِ المَنَارُ لِرُوحِي بَعْدَ مُنْفَصِمِ
حَانَ الرَّحِيلُ وَنَارُ الوَجْدِ مُوقَدَةٌ
لَكِنَّ قَلْبِي بِمَجْدِ الحُبِّ لَمْ يُضَمِ
وَدَّعْتُ فِيكِ حَيَاةً كُنْتُ أَعْشَقُهَا
وَصُنْتُ سِرَّكِ صَوْنَ الدِّينِ فِي الذِّمَمِ
مَا كَانَ فِي البَيْنِ لِلْعُشَّاقِ مَنْقَصَةٌ
فَالشَّمْسُ تَأْفُلُ كَيْ تَبْقَى عَلَى القِمَمِ
إِنِّي اعْتَزَزْتُ بِحُبٍّ لَا دَنِيَّ بِهِ
سَمَا عَنِ الرِّجْسِ وَالأَهْواءِ وَالتُّهَمِ
سَأَحْمِلُ الشَّوْقَ فِي تَرْحَالِ مَغْرِبَتِي
كَالمِسْكِ فَاحَ عَبِيراً رَغْمَ ذِي سَدَمِ
يَا مَنْ لَهَا فِي صَمِيمِ القَلْبِ مَنْزِلَةٌ
أَعْلَى مِنَ النَّجْمِ أَوْ مَا خُطَّ فِي القِمَمِ
وَدَاعُ مِثْلِكِ إِكْرَامٌ لِصَاحِبِهِ
كَمَا يُعَزُّ لِوَاُ العِزِّ فِي الحَشَمِ
فَلْيَذْكُرِ الدَّهْرُ أَنَّا مَا انْحَنَتْ هِمَمٌ
لِغَيْرِ حُسْنِكِ يَا مَوْلَاةَ ذِي الجَمَمِ
تَمَّتْ وَمَا بَلَغَتْ أَدْنَى مَفَاخِرِهَا
سِتُّونَ بَيْتاً سَمَتْ فِي نُطْقِ كُلِّ ظَمِي
ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الهَادِي وَعِتْرَتِهِ
مَا سَارَ رَكْبٌ وَمَا نَادَى ذُو اللَّقَمِ
يَا مَنْ تَرَبَّعَتِ العَلْيَاءُ فِي يَدِهَا
وَصَارَ مَحْتِدُهَا أَسْمَى مِنَ النُّجُمِ
قَدْ نِلْتِ مِنْ شَرَفِ الأَخْلَاقِ مَنْزِلَةً
لَا يَرْتَقِي بَوْغَهَا جِيْلٌ مِنَ الأُمَمِ
لَوْ قِيسَ مَجْدُ نِسَاءِ العَالَمِينَ بِهَا
لَخَرَّ سَاجِدَةً كُلٌّ بِلَا جَرَمِ
هِيَ الَّتِي شَرَّفَ الإِكْلِيلُ مَفْرِقَهَا
بَلْ شُرِّفَ التَّاجُ إِذْ يَعْلُو عَلَى الشِّيَمِ
لَا الفَخْرُ يُوفِي لَهَا حَقّاً وَلَا أَدَبٌ
يَقْوَى عَلَى حَصْرِ مَا فِيهَا مِنَ العِظَمِ
كَأَنَّمَا خُلِقَتْ لِلْعِزِّ مَفْخَرَةً
وَصِيغَ جَوْهَرُهَا مِنْ رَوْحِ مُحْتَرَمِ
إِذَا مَشَتْ، حَسِبَ الرَّائِي خُطَاهَا دَمًا
يَجْرِي بِأَوْرِدَةِ التَّارِيخِ وَالقِيَمِ
يَا هَالَةً مِثْلَ ضَوْءِ الصُّبْحِ سَاطِعَةً
تَبْقَى مَنَارَتُهَا ذُخْراً لِذِي عَدَمِ
تَمَّتْ وَمَا بَلَغَتْ أَدْنَى مَفَاخِرِهَا
سِتُّونَ بَيْتاً سَمَتْ فِي نُطْقِ كُلِّ فَمِي
ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى المُخْتارِ خَاتِمِهِمْ
مَا سَارَ رَكْبٌ وَمَا لَبَّتْ يَدُ الحَرَمِ