عُوجِي فِدَاكِ بِقَاعُ سَارَةَ وَاشْهَدِي
بِيَقِينِ عَهْدٍ فِي الفِجَاجِ مُجَهَّرِ
فَلَقَدْ رَمَيْتُ النَّفْسَ فِي غَمَرَاتِهَا
وَشَرِبْتُ مَوْتِي فِي اغْتِرَابِ الأَغْبَرِ
يَا دَارَ "سَارَةَ" فِي الأَقَاصِي بَشِّرِي
رَحَّالَ صِدْقٍ خَاضَ لُجَّ الأَبْحُرِ
عَفَتِ المَنَازِلُ بَعْدَهَا لَكِنَّهَا
نُقِشَتْ بِقَلْبِي كَالشِّهَابِ الأَزْهَرِ
وَقَفَتْ بِهَا العِيْسُ النَّجِيْبَةُ تَشْتَكِي
وَتَمِيْلُ مَيْلَ السُّكْرِ بَعْدَ تَصَبُّرِ
فَسَأَلْتُ رَسْمَ الدَّارِ عَنْ خَبَرِ المَهَا
فَرَدَدْتُ صَوْتِي فِي فَضاءٍ مُقْفِرِ
هَلْ أَبْقَتِ الأَسْفَارُ مِنْ مُتَبَصِّرِ
أَمْ هَلْ عَرَفْتَ الصَّبْرَ بَعْدَ تَحَيُّرِ؟
مَا خَلَّدَ الرُّحَّالُ نَقْشَ مَوَاجِعِي
أَمْ هَلْ بَكَيْتَ الدَّارَ بَعْدَ تَحَسُّرِ؟
فَوَقَفْتُ أَسْتَنْطِقُ الرُّسُومَ لَعَلَّهَا
تُبْدِي الجَوَابَ لِخَافِقٍ كَالمِجْمَرِ
أَخْنَى عَلَى نَجْوَاكِ لَيْلٌ سَرْمَدِي
صُمَّتْ مَعَالِمُهَا بِقَاعٍ قَرْقَرِ
جُوْدِي بِطَيْفِكِ يَا أَمِيْرَةُ وَأَسْفِرِي
حُيِّيتِ مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ أَعْصُرِي
عِمِي صَبَاحاً "بِنْتَ أَحْمَدَ" وَاسْلَمِي
مَا دَامَ فِي الدُّنْيَا لِسَانُ مُجَوْهَرِ
فَوَقَفْتُ فِيْهَا نِضْوَ هَمٍّ مُحْجِمِ
كَالقَرْمِ هَاجَ بِهِ حَنِيْنُ المُنْحَرِ
وَلَقَدْ مَرَرْتُ بِكُلِّ رَسْمٍ مُوحِشٍ
نَادَيْتُ فِيْهِ نِدَاءَ مُسْتَنْصِرِ
نَادَيْتُ "بِنْتَ الخِدْرِ" وَالمَدَى صَمْتٌ، أَلا
يَا فُتْنَةَ الرُّوحِ اسْتَفِيضِي وَأَسْفِرِي
يَا طَيْفَ "آَنِسَةِ الدَّلالِ" أَمَا تَرَى
قَلْبِي يَهِيْمُ بِكُلِّ فَجٍّ مُقْفِرِ؟
لَمَعَتْ "عَقِيْلَةُ حَيِّهِمْ" فَتَبَسَّمَتْ
وَذَرِي الضِّيَاءَ بِخَافِقِي المَتَسَطِّرِ
طَيْفٌ أَلَمَّ بِذِي الصَّبَابَةِ بَعْدَمَا
حَالَ القَضَاءُ دُوْنَ وِرْدِ المَصْدَرِ
أَمْسَتْ تُبَاعِدُنَا الفَيَافِي وَالنَّوَى
وَأَبِيْتُ أَنْشُدُ طَيْفَهَا فِي المَحْشَرِ
كَأَنَّ الفَيَافيَ إِذْ تَطَاوَلَ بُعْدُهَا
سِجالٌ بَيْنَ وَصْلِكِ وَالتَّذَكُّرِ
تَمُدُّ لِيَ الآمَالَ كَفّاً قَصِيْرَةً
وَتَحْجُبُ عَنِّي وَجْهَكِ المُتَنَوِّرِ
شَطَّتْ بِهَا دَارُ الزِّيَارَةِ فَانْتَحَتْ
عَسِراً طِلابُكِ بَعْدَ عَهْدٍ مُزْهِرِ
فَزَجَرْتُ ذِعْلِبَةً كَأَنَّ ضُلُوعَهَا
أَلْوَاحُ صَرْحٍ لِلرِّيَاحِ مُسَخَّرِ
فَوَقَفْتُ أَنْضِي الرَّاحِلاتِ بِبَابِهَا
وَالدَّمْعُ بَيْنَ مَحَاجِرِي كَالأَبْطُرِ
حَلَّتْ بِأَرْضِ العِزِّ "بِنْتُ الأَكْرَمِ" فَالْتَوَى
دَرْبِي وَعَزَّ عَلَى الرِّكَابِ تَقَصُّرِي
مَا خَلَّفَ السُّيَّارُ فِي أَسْفَارِهِمْ
إِلَّا صَدَى الصَّبْرِ الجَمِيْلِ المُبْهِرِ
مَا ضَارَنِي بَعْدُ المَزَارِ وَإِنَّمَا
شَرَفُ الفَتَى فِي سَعْيِهِ المُتَقَدِّرِ
حُيِّيتِ مِنْ نَفْسٍ تَرُومُ وِصَالَكُمْ
حُيِّيتِ يَا "بِنْتَ الأَمَاجِدِ" فَأَبْشِرِي
عُلِّقْتُهَا نَفْساً أَبِيَّةَ مَحْتِدٍ
وَالخَيْلُ تَعْلِكُ لَجْمَهَا بِتَذَمُّرِ
تَسْبِيْكَ بِمُبْتَسِمٍ كَأَنَّ غُرُوبَهُ
بَرْقٌ تَلأْلأَ فِي غَمَامٍ مُمْطِرِ
أَوْ رَوْضَةً أُنُفاً تَضَمَّنَ نَبْتَهَا
جَوْدُ السَّمَاءِ بِذِي قَرَارٍ جَوْهَرِي
وَكَأَنَّ فَارَةَ تَاجِرٍ بِمَسِيكَةٍ
سَبَقَتْ عَوارِضَها إِلَيْكَ مِنَ الثَّغَرِ
وَخَلا الذُّبَابُ بِهَا فَلَيْسَ بِبَارِحٍ
غَرِداً كَفِعْلِ الشَّارِبِ المُتَسَكِّرِ
فَإِذَا نَظَرْتُ إِلَى الغَمَامِ وَوَبْلِهِ
ذَكَرْتُ رَيَّاكِ النَّقِيَّ الأَعْطَرِ
وَمَشَيْتُ فِي رَوْضِ الأَمَانِي حَالِماً
بِوِصَالِ غُصْنٍ نَاعِمٍ لَمْ يُكْسَرِ
تَبِيتُ "سَارَةُ" فِي الحَشِيَّةِ نَاعِمًا
وَأَبِيْتُ فَوْقَ قَرَاةِ نَهْدٍ ضَوْمَرِي
تَصْحُو عَلَى رِيْحِ الخُزَامَى طِفْلَةً
وَأَصِيْحُ مِنْ وَجَعِ الحَنِيْنِ المُقْمِرِ
هِيَ مُنْيَتِي لَوْ أَنَّ دَهْرِي مُسْعِدٌ
لَكِنَّ حَظِّي فِي الرِّحَالِ وَفِي السُّرِي
أَشْقَى بِبُعْدِكِ وَالفُؤَادُ مُعَلَّقٌ
مِثْلَ السِّرَاجِ بِلَيْلِ بِيْدٍ زَمْهَرِي
فَغَدَوْتُ مِنْ فَرْطِ الحَنِيْنِ كَأَنَّنِي
شِلْوٌ تَمَزَّقَ فِي فَمِ المُتَنَمِّرِ
مَا لِي سِوَى صَبْرِي وَهَمِّي مَرْكَباً
وَدَمِي المُرَاقِ عَلَى طَرِيْقِ المَفْخَرِ
هَلْ تُبْلِغَنِّي دَارَهَا شَدَنِيَّةٌ
صُلْبُ المَعَاقِدِ كَالفَنِيْقِ الأَكْبَرِ؟
وَجْنَاءُ تَطِسُ الإِكَامَ بِخُفِّهَا
وَثْبَ الغَضُوبِ بِلَيْلِ دَجْنٍ مُسْتَعِرِ
تَأْوِي لَهُ قُلُصُ النَّعَامِ كَأَنَّهَا
حِزَقٌ يَمَانِيَةٌ لِطَيْرٍ أَبْتَرِ
يَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ
مَاءُ الشُّؤُونِ كَجَدْوَلٍ مُتَفَجِّرِ
فَكَأَنَّ مِشْيَتَهَا عَلَى جَمْرِ الغَضَا
رَقْصُ المَنِيَّةِ فِي نِقَاعِ العَصْفَرِ
تَجْتَابُ أَرْدَانَ الظَّلامِ كَأَنَّهَا
نَجْمٌ هَوَى فِي جَوْفِ لَيْلٍ مُقْدِرِ
تَشْكُو الوَجَى وَالسَّيْرُ يَعْصِرُ لَحْمَهَا
وَأَنَا عَلَى كُورِ الصَّبَابَةِ مُجْدِرِي
وَلَقَدْ بَرَيْتُ الأَرْضَ وَهِيَ مَخُوفَةٌ
وَالنَّجْمُ يَخْفِتُ فِي سَوَادِ المَنْظَرِ
أَسْعَى لِعِزِّ "أَمِيْرَةِ القَصْرِ" الَّتِي
شَمَخَتْ بِمَجْدٍ كَالعَرِيْنِ المُجْهَرِ
يَمْضِي بِيَ الإِصْرَارُ نَحْوَ مَقَامِهَا
مَضْيَ الحُسَامِ بِكَفِّ شَهْمٍ مُخْطِرِ
أَثْنِي عَلَيَّ بِمَا عَلِمْتِ فَإِنَّنِي
صَعْبُ المَقَادِ لِغَاشِمٍ لَمْ يَنْصُرِ
وَإِذَا نَزَا نَحْوِي الظَّلُومُ وَجَدْتِنِي
صَلْداً كَجُلْمُودِ الحِمَى لَمْ يُقْهَرِ
وَإِذَا نَزَلْتُ بِسَاحِ ظُلْمٍ جُرْتُهُ
جَوْرَ الْمُهَنَّدِ بِرَأْسِ بَاغٍ مُشْحِرِ
وَأَنَا الَّذِي إِنْ رَامَ كَيْدِيَ غَادِرٌ
رَدَّتْهُ صَفْحَةُ مَنْعَتِي كَالأَدْبَرِ
وَلَقَدْ غَدَوْتُ وَفِي يَمِينِيَ صَارِمٌ
يَذَرُ الكَرِيهَةَ كَالعَرِيْنِ الأَزْهَرِ
وَمَوَاقِفٍ لِي فِي الكَرِيْهَةِ لَمْ يَبُحْ
عَنْ مِثْلِهَا فَخْرٌ لِكُلِّ مُغَمِّرِ
أَمْضِي وَصَدْرُ اللَّيْلِ يَرْجُفُ هَيْبَةً
مِنْ حَزْمِ نَفْسِي وَاليَقِيْنِ الأَنْوَرِ
وَإِنِّي لَقَوَّادُ الجِيَادِ إِلَى الوَغَى
لِأَحْمِيَ عَهْداً فِي هَوَاكِ المُؤْثِرِ
فَلا المَوْتُ يُثْنِيْنِي وَلا البِيْدُ تَرْتَمِي
بِشَخْصِيَ إِلا نَحْوُ رَبْعِكِ مَحْضَرِي
وَمِنَ المَقَالِ بَصِيرَةٌ لَا تَنْثَنِي
وَالصَّمْتُ لِي عِزٌّ كَجِيدِ القَسْوَرِ
أَغْشَى الفَيَافِيَ وَالخُطُوبَ بِيَعْمَلٍ
وَأَعِفُّ عِنْدَ المَغْنَمِ المُتَيَسِّرِ
وَلَقَدْ شَرِبْتُ مِنَ المُرُوءَةِ كَأْسَهَا
حَتَّى نَهَلْتُ بِكُلِّ جُودٍ مَذْخَرِ
لا أَشْتَكِي لِلنَّاسِ مَا بِي مِنْ ظَمَا
لَكِنْ لِرَبِّي مَنْسَكِي وَتَحَرُّرِي
إِنِّي امْرُؤٌ مِنْ خَيْرِ "يَعْرُبَ" مَحْتِداً
لا يَنْحَنِي رَأْسِي لِدَهْرٍ مُجْحِرِ
فَعَلِيّ أَوْجُ المَجْدِ شِدْتُ بِنَائَهُ
لَا بِالتَّمَنِّي وَالخَيَالِ الأَكْدَرِ
مَا نِلْتُ هَذَا العِزَّ إِلا بَعْدَمَا
أَمْهَرْتُ سَارَةَ مِنْ سَنَايَ وَمَخْبَرِي
مَا كُلُّ مَنْ رَكِبَ الجِيَادَ بِمَاجِدٍ
حَتَّى يَنَالَ مَقَامِيَ المُتَحَدِّرِ
فَلْتَعْلَمِي "يَا بِنْتَ كُلِّ مُسَوَّدٍ" أَنَّنِي
ذَاكَ الذي بِرُكُوبِ خَطْرٍ يَزْدَرِي
وَمُدَجَّجٍ بِالهَمِّ نَهْنَهْتُ سَوْرَهُ
بِعَزِيمَةٍ تَقْضِي عَلَى المُتَحَيِّرِ
تَرْمِي بِيَ الآفَاقُ كُلَّ مَفَازَةٍ
تِيْهٌ يَعِزُّ بِهَا ارْتِيَادُ المَعْبَرِ
وَلَقَدْ رَجَرْتُ لَهَا المَسِيْرَ وَقَدْ جَرَى
مَاءُ الشُّؤُونِ عَلَى الذِّفَارَى السُّمَّرِ
تَشْكُو الظَّمَاءَ وَفِي الفُؤَادِ جَهَنَّمٌ
مِنْ لَوْعَةٍ تَصْلَى بِوَجْدٍ مُسْعَرِ
وَأَنَا الذِي قَسَمَ الهُمُومَ بِصَدْرِهِ
وَأَعِفُّ عِنْدَ المَغْنَمِ المُتَحَقِّرِ
وَلَقَدْ غَدَوْتُ وَلِلرِّيَاحِ عَزِيْفُهَا
تَذْرُو الغُبَارَ عَلَى السَّوَادِ الأَكْدَرِ
مَا زِلْتُ أَرْقُبُ فِي السَّمَاءِ مَنَارَةً
فَلَمَحْتُ طَيْفَكِ كَالشِّهَابِ النَّيِّرِ
وَمَفَازَةٍ غَبْرَاءَ يَعْذُبُ وِرْدُهَا
لِلْقَرْمِ حِيْنَ يَجُوْبُ هَوْلَ المَحْجَرِ
قَدْ خُضْتُهَا وَاللَّيْلُ يَنْفُثُ سِحْرَهُ
نَفْثَ المُلِدِّ بِسَمِّهِ فِي المِجْمَرِ
وَأَبِيتُ خَمْصَانَ الحَشَا مُتَطَوِّياً
أَرْبَأُ بِنَفْسِي عَنْ لَئِيْمٍ مُقْتِرِ
مَا زِلْتُ أَنْضِي الرَّاحِلاتِ وَلَمْ أَزَلْ
أَمْضِي إِلَى أَمَلٍ عَزِيزِ المُظْفِرِ
تَشْدُو بِصَوْتِ الصَّاهِلاتِ حَزِيْنَةً
تَرْجُو الخَلاصَ بِفَجْرِ عِزٍّ مُسْفِرِ
وَإِذَا الرِّيَاحُ تَنَاوَحَتْ فِي عَصْفِهَا
وَقَفَتْ عَزِيْمَتِيَ انْتِصَابَ المِنْبَرِ
لَوْلا رَجَاءُ الوَصْلِ مِنْ "بِنْتِ أَجْوَدَ"
مَا سِيقَ نَحْوِيَ مَوْكِبٌ لِلعَنْبَرِ
وَلَقَدْ شَهِدْتُ الحَرَّ يَغْلِي مَاؤُهُ
فِي مِرْجَلٍ بَيْنَ الرِّغَامِ مُسَجَّرِ
فَوَرَدْتُهُ وَالمَوْتُ يَلْمَعُ فَوْقَهُ
لَمْعَ السَّرَابِ بِقَاعِ دَهْرٍ غَيْدَرِ
وَذِئَابُ فَلٍّ قَدْ لَحِقْتُ بِنَابِهَا
فَتَرَكْتُهَا مِثْلَ الهَشِيمِ المُنْكَسِرِ
وَبِتُّ أَرْعَى النَّجْمَ يُبْرِقُ كَلْمُهُ
وَاللَّيْلُ يَمْشِي مَشْيَ وَانٍ مُبْتَرِ
إِنِّي امْرُؤٌ جُبِلَ الفُؤَادُ بِصَدْرِهِ
صَلْدَ المَعَاقِدِ مِنْ صَفَا وَمَرْمَرِ
مَا رَاعَنِي هَوْلُ الغُبَارِ وَإِنَّمَا
خَوْفِي عَلَى عَهْدٍ لِ "سَارَةَ" مِزْهَرِ
سُدْتُ الرِّجَالَ بِمَا جَنَيْتُ مِنَ النَّدَى
وَبِمَا قَطَعْتُ مِنَ الفِجَاجِ بِضُمَّرِ
وَمُدَجَّجٍ كَرِهَ الكُمَاةُ نِزَالَهُ
نَطَحَتْهُ أَيَّامِي بِكَفِّ الغَضْوَرِ
وَمِشَكِّ سَابِغَةٍ هَتَكْتُ فُرُوجَهَا
بِالصَّبْرِ عَنْ حَامِي الحَقِيقَةِ مُصْحِرِ
لَمَّا رَآنِي قَدْ نَزَلْتُ أُرِيْدُهُ
أَبْدَى نَوَاجِذَهُ لِغَيْرِ تَجَبُّرِ
فَطَعَنْتُهُ بِالعَزْمِ ثُمَّ عَلَوْتُهُ
بِمُهَنَّدٍ صَافِي الحَدِيْدَةِ مِبْقَرِ
فَنَفَحْتُ بِالصَّبْرِ الأَصَمِّ ثِيَابَهُ
لَيْسَ الكَرِيمُ عَلَى الرَّدَى بِمُؤَخِّرِ
إِذْ لا أَزَالُ عَلَى رِحَالَةِ سَابِحٍ
نَهْدٍ تَعَاوَرُهُ الكُمَاةُ مُشَهَّرِ
وَالخَيْلُ تَقْتَحِمُ الخَبَارَ عَوَابِساً
مِنْ بَيْنِ شَيْظَمَةٍ وَآخَرَ أَشْقَرِ
مَا زِلْتُ أَرْمِي لَيْلَهَا بِضُلُوعِهِ
حَتّى تَسَرْبَلَ بِالعَجَاجِ الأَشْهَرِ
وَالخَيْلُ تَعْثُرُ فِي القَنَا وَلَرُبَّمَا
غَشِيَ النَّوَاظِرَ كُلُّ نَقْعٍ مُغْبِرِ
وَطَعَنْتُ صَدْرَ الكَوْنِ حَتَّى خِلْتُهُ
لَيْلاً تَمَطَّى بِالظَّلامِ الأَقْوَرِ
وَلَقَدْ حَلَلْتِ بِخَافِقِي وَصَواعِقُ ال
أَهْوَالِ تَعْصِفُ بِالْمَكَانِ الأَخْطَرِ
فَكَأَنَّ طَيْفَكِ فِي الزِّحَامِ سَكِينَةٌ
هَلَّتْ عَلَى قَلْبِي كَغَيْثٍ مُبْذِرِ
وَلَقَدْ رَأَيْتُكِ فِي الحُتُوفِ جَنَّةً
تَسْقِي جَحِيمِي بِالظِّلَالِ وَمُعْطِرِ
فَوَدَدْتُ تَقْبِيلَ المَنَايَا لأَنَّهَا
لَمَعَتْ كَبَارِقِ ثَغْرِكِ المُتَبَشِّرِ
أَشْتَاقُهَا وَالبِيْضُ تَلْمَعُ فِي الوَغَى
لَمْعَ الجُمَانِ بِصَدْرِ هَيْفٍ خَصَّرِ
لَوْ كَانَ يَدْرِي مَا الحِوَارُ لَخَاطَبَتْ
عَبَرَاتُهُ قَلْبِي بِلَحْنٍ مُنْكَرِ
لَكِنَّنِي رَوَّيْتُ ظَامِئَ نَصْلِهِ
حَتَّى انْثَنَى يَرْجُو أَمَانَ المُجْبِرِ
وَمَا سَفَكْتُ دَمَ البُغَاةِ تَعَطُّشاً
لَكِنْ لِأَنَّكِ مَقْصِدِي وَمُسَجَّرِي
أَنَا الذِي قَهَرَ المَسَافَةَ عُنْوَةً
وَأَذَلَّ كُلَّ خُصُومِهِ بِتَصَبُّرِ
يُخْبِرْكِ مَنْ شَهِدَ الفَيَافِيَ أَنَّنِي
أَغْشَى الوَغَى وَأَعِفُّ عِنْدَ المَجْزَرِ
طَوْراً يُجَرَّدُ لِلطِّعَانِ وَتَارَةً
يَأْوِي لِمُكْتَنِزِ الشَّمَائِلِ مُشْمِرِ
وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ المَنَايَا يَنَلْنَهُ
وَلَوْ نَالَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِمِعْبَرِ
أَنَا ابْنُ جَلْدٍ لا يُفَلُّ غِرَارُهُ
إِذَا عَضَّ لَيْلُ النَّائِبَاتِ بِمَنْصَرِ
وَلَقَدْ بَرَيْتُ الدَّهْرَ حَتَّى انْصَاعَ لِي
قَسْراً كَمَا انْصَاعَ القَطِيْعُ لِجَيْسَرِ
أَنَا الذِي سَجَدَ الفَضَاءُ لِخَطْوِهِ
وَمَضَى بِرَأْسٍ شَامِخٍ كَالمِيْزَرِ
وَلَقَدْ خَشِيتُ بِأَنْ أَمُوتَ وَلَمْ تَدُرْ
لِلحَرْبِ دَائِرَةٌ عَلَى ابْنِ المُنْكِرِ
الشَّاتِمَيْ عِرْضِي وَلَمْ أَشْتِمْهُمَا
وَالذَّائِدِينَ عَنِ الوِصَالِ بِأَبْتَرِ
إِنْ يَفْعَلُوا فَلَقَدْ تَرَكْتُ عِظَامَهُمْ
جَزَرَ السِّبَاعِ بِكُلِّ حَزْنٍ أَغْبَرِ
وَكَمْ مِنْ كَمِيٍّ قَدْ طَرَحْتُ رِدَاءَهُ
بِقَاعِ دَرْبٍ لِلْغُبَارِ مُعَفَّرِ
نَحْنُ الرِّجَالُ إِذَا السُّيُوفُ تَعَانَقَتْ
كُنَّا لَهَا جَمْرَ الوَقِيْعَةِ المُسْجَرِ
تَبَصَّرْ خَلِيْلِي هَلْ تَرَى مِنْ ظَعَائِنٍ
تَحَمَّلْنَ بِالعَلْيَاءِ مِنْ فَوْقِ جُرْجُرِ؟
عَلَيْنَ أَنْمَاطٌ عِتَاقٌ وَكِلَّةٌ
وَفُوفٌ تَشِعُّ النُّورَ مِنْ كُلِّ مَنْظَرِ
وَرَقَّتْ حَوَاشِيْهَا وَمَرَّتْ كَأَنَّهَا
سَفَائِنُ عَوْمٍ فِي خَلِيْجٍ مُسَجَّرِ
بِهَا "سَارَةُ" كَالمهَاةِ تَرَبَّعَتْ
بِيَخْضُورِ لِيْنٍ فِي حِجَابٍ مُسَتَّرِ
فَلَمَّا اسْتَوَتْ فَوْقَ المَتَالِي وَوَلَّتِ
بَكَى القَلْبُ حُزْناً خَلْفَ رَكْبٍ مُشَمِّرِ
لَعَمْرُ أَبِيْكِ يَا "سَارَةُ" مَا انْحَنَى
رَأْسِي لِوَاشٍ بِالخَدِيْعَةِ مِخْبَرِ
مَنْ رَامَ طَيْفَكِ يَا ابْنَةَ العِزِّ انْبَرَتْ
عَيْنَايَ تَقْدَحُ مِثْلَ صَلْدِ المِجْمَرِ
مَا كُلُّ مَنْ رَكِبَ المَطِيَّةَ فَارِسٌ
حَتَّى يَخُوْضَ الوَجْدَ خَوْضَ المُخْطِرِ
فَاحْفَظْ عُهُوْدَكَ يَا فُؤَادِي إِنَّنِي
أَمْهَرْتُ سَارَةَ عُمْرِيَ المُتَحَدِّرِ
مَا خُنْتُ عَهْدَكِ يَوْمَ حَارَتْ نِيَّةٌ
وَالخَلْقُ بَيْنَ مُصَدِّقٍ وَمُسَخِّرِ
وَلَقَدْ شَفَى نَفْسِي وَأَبْرَأَ سُقْمَهَا
عَهْدٌ لِ"سَارَةَ" فِي الفُؤَادِ مُسَوَّرِ
وَمَا كُلُّ رَشْأٍ فِي الفَيَافِي رُمْتُهُ
إِلا عُيُونَكِ يَا ابْنَةَ العِزِّ الأَثَرِ
أَطِيْرُ إِلَيْكِ وَالرِّيَاحُ عَوَاصِفٌ
بِمُطَّرِدٍ صَدْقِ الكُعُوبِ مُشذَّرِ
سَأَظَلُّ رَحَّالاً يَجُوبُ مَفَاوِزاً
وَخَيَالُ وَجْهِكِ فِي المَسِيرِ مُؤَمِّرِي
سَأَظَلُّ "رَحَّالاً" يُدَوِّي صَوْتُهُ
فَوْقَ المَنَاكِبِ مِثْلَ رَعْدٍ مُهْطِرِ
أَمْضِي وَلِي فِي كُلِّ رِيحٍ زَفْرَةٌ
تُنْبِي بِأَنِّي الفَارِسُ المُتَصَبِّرِ
وَلَقَدْ بَلَوْتُ النَّاسَ فِي أَسْفَارِهِمْ
فَعَرَفْتُ طِيْبَ الوَجْهِ مِنْ كُلِّ أَغْبَرِ
رَأَيْتُ حَيَاةَ المَرْءِ نِضْوَ مَسَافَةٍ
تُطْوَى وَيَبْقَى الذِّكْرُ غَيْرَ مُبَتَّرِ
فَإِنْ كُنْتُ لا أَسْطِيْعُ دَفْعَ مَنِيَّتِي
فَذَرْ نِيَ أُبَادِرُهَا بِعِزٍّ مُوَقَّرِ
وَمَا الدَّهْرُ إِلا رِحْلَةٌ نَحْوُ غَايَةٍ
وَمَقَامُ "سَارَةَ" فِي الثَّرَى كَالْمُشْتَرِي
صَفَحْتُ عَنِ الأَيَّامِ لَمَّا عَرَفْتُكُمْ
وَطِبْتُ نَفْساً بِالعَذَابِ المُنْضِرِ
فَأَيُّ هَوَانٍ بَعْدَ حُبِّكِ يُرْتَجَى
وَأَيُّ مَقَامٍ بَعْدَ مَجْدِكِ مُشْتَهَرِ؟
حَتَّى يُقَالَ: مَضَى لِقَدْرٍ أَجْهَرِ
أَوْ أَنْ يَعُودَ لِصَحْنِ دَارِكِ عَسْكَرِي
عِمِي صَبَاحاً "بِنْتَ أَحْمَدَ" وَاسْلَمِي
مَا دَامَ فِي الدُّنْيَا لِسَانُ مُجَوْهَرِ
فَاسْلَمِي يَا "دُرَّةَ المَجْدِ" مَفْخَراً
مَا غَرَّدَ القُمْرِيُّ فَوْقَ المِنْبَرِ
فَهَذَا قَصِيْدِي قَدْ تَمَّتْ حُرُوفُهُ
كَالصَّخْرِ رُصَّ بِجَانِبِ المُتَخَيَّرِ
تَمَّتْ حُرُوفُ المَجْدِ مِثْلَ صُخُورِهَا
تُبْقِي خُلُودَكِ فِي الزَّمَانِ الأَدْهَرِ