أَوْدَى السَّقامُ بقلبٍ باتَ مَسْجُورَا
وَاستَنْطَقَ الوَجدُ في الأطلالِ مَهْجُورَا
يا لائمي في هَوى مَنْ لا سَمِيَّ لها
رِفقاً بصَبٍّ غدا بالبَيْنِ مَقْهُورَا
طالَ النَّوى فاستَحالَ الوَصلُ أمنيةً
تَقْفو المَرابعَ مَطْروداً ومَذْؤورَا
يا بَرقُ بَلِّغْ مَهاةَ الحيِّ مَعذرتي
إن بتُّ في البعد مَحزوناً ومَبْتُورَا
صَبٌّ غَرِيبٌ قَضَى الأَيَّامَ مُنْتَظِراً
وَعْداً نَأَى عَنْ مَدَى عَيْنَيْهِ مَزْجُورَا
يَا نَفْسُ صَبْراً عَلَى دَهْرٍ تَلَوَّنَ لِي
كَالصِّلِّ يَنْفُثُ سُمّاً لَيْسَ مَغْفُورَا
مَا ذِكْرُ مَنْ سَكَنَ الوِجْدَانَ غَيْرَكُمُ
أَضْحَى سَرَاباً بِجَوْفِ القَفْرِ مَمْجُورَا
لِي خَاطِرٌ كَجِمَاحِ المُهْرِ مُنْفَلِتٌ
ما رِيضَ يَوماً وَلا دانَتْ مَقاديرَا
تَجوبُ بِي كُلَّ فَجٍّ لا أَنِيسَ بِهِ
حَتّى اسْتَكانَ لِذِكرٍ مِنكِ مَذخورَا
إِنِّي سَلَكتُ فِجَاجَ الأَرْضِ مُمتَطِيًا
صَهواتِ عَزْمٍ بَزَّتِ الرِّيحَ تَأْثِيرَا
إنْ عَزَّ وَصلُ المَها فالصَّبْرُ مَرْكَبَتِي
أَطْوِي بِهَا البِيدَ إِدْلَاجاً وتَهْجِيرَا
لَكِنَّهَا الشِّيمَةُ الغَرّاءُ تَمنعُني
أنْ أجعلَ السِّرَّ للأغيارِ مَنشورَا
لَوْلا مَخَافَةُ وَاشٍ سَاقَهُ حَسَدٌ
لَبُحْتُ بِالحُبِّ إِعْلاناً وتَشْهِيرَا
لَكِنَّني في مَدارِ النورِ مُعتصِمٌ
بحبلِ صِدقٍ غَدا بالصبرِ مَمْرُورَا
هِيَ التي إنْ بَدَتْ للعينِ خِلْتَ بها
شَمساً تُزاحِمُ في الآفاقِ بَلُّورَا
نَسِيتُ كُلَّ جَمَالٍ حِينَ أَبْصَرَها
قَلْبِي فَأَضْحَى بِفَيْضِ الوَجْدِ مَسْجُورَا
فِي وَجْهِهَا يُشْرِقُ الصُّبْحُ المُنِيرُ ضُحىً
وَفِي لَمَى ثَغْرِهَا مَا يَسْلُبُ النُّورَا
هَيفاءُ تَمشي كأنَّ الخَمرَ مِشيَتُها
تَهتزُّ كالغُصنِ مَسقِيّاً ومَنْضُورَا
كَأَنَّ رِيحَ الخُزَامَى فِي مَلابِسِهَا
أَوْ نَفْحَةَ الوَرْدِ فَوْقَ الخَدِّ مَذْرُورَا
مَا عَابَهَا قِصَرٌ يَوْماً وَلَا طُولٌ
كَأَنَّهَا القَدُّ مَسْبُوكاً وتَبْشِيرَا
عيناها بحرانِ لا شطٌّ لغريقهما
مَنْ غاصَ فيهما لا يَبغي تَحْرِيرَا
إِنّي وَما لَحَظَتْ عَيناها مِنْ شَغَفٍ
ما زِلْتُ في حُبِّها العُذْرِيِّ مَسْحُورَا
سُبحانَ مَنْ صاغَ هذا الحُسنَ مُعجِزةً
وأوْدَعَ الرُّوحَ في جَفْنَيْهِ مَأسُورَا
قَد أُنبِئتُ بأنَّ الحُسنَ فِتنتُهُ
تودي بقلبٍ يرى الإعجازَ تَبْهِيرَا
يَغشى العُيونَ جَلالٌ مِن مَهابَتِها
حَتّى يُرى مَنطِقُ الشُّجعانِ مَحْصُورَا
تِلكَ المَهابَةُ لا تُبقي وَلا تَذَرُ
كِبرَ الرِجالِ وَلَو زادوا تَعافِيرَا
هَيْبَاتُها مِثلُ نَصْلِ السَّيفِ مَصلَتَةً
صَمْتُ العِبادِ لَها قَد صارَ دُستورَا
أَوْ لَوْ دَرَى الأُسْدُ فِي الغَابَاتِ رِقَّتَهَا
لَأَصْبَحَ اللَّيْثُ مَغْلُوباً ومَأمُورَا
تَمشي الهُويْنا ولكنْ في عَزيمتِها
بأسُ الكُماةِ وطبْعٌ صِيغَ مَحْذُورَا
كالظَّبيِ تَنْفِرُ لكنْ في تَلفُّتِها
سِحرٌ يُعيدُ عَظيمَ القومِ مَحْقُورَا
إِن تَسفِري أَبصَرَ المَحزونُ في دَهَشٍ
كَأَنَّما بَعَثَ الرَّحمنُ مَقْبُورَا
لو نَظَمَ الجِنُّ شِعراً في مَحاسِنِها
لارتَدَّ قائلُهُمْ بِالعَجْزِ مَدْحُورَا
لَم نَرجُ مِن مَدحِها عُجباً نُؤَمِّلُهُ
بَل خَرَّ ساجِداً مَن كانَ مَغرورَا
صَمْتُ الكلامِ أمامَ الحُسنِ مَفخَرَةٌ
وحِكمةُ العَقلِ أنْ تَبقى بِه مَحْيُورَا
مَلِيكَةُ القَلْبِ وَالأَخْلَاقُ تَاجُ عُلًا
صَاغَ الحَيَاءُ لَهَا دُرًّا وتَنْوِيرَا
نَقِيَّةُ الثَّوبِ لمْ تَدنسْ بمَنقَصَةٍ
كالصُّبحِ أقبلَ بالأنوارِ مَحبورَا
هِيَ العَرَاقَةُ فِي أَصْلٍ وَفِي نَسَبٍ
فَاحَ الثَّنَاءُ بِهَا ذِكْراً وتَعْطِيرَا
جُودُ الكِرَامِ إِذَا مَا قِيسَ فِي يَدِهَا
أَضْحَى سَرَاباً بِجَوْفِ القَفْرِ مَحْسُورَا
تَجُودُ بِالرُّوحِ نَفْسِي فِي مَوَدَّتِهَا
وَالجُودُ بِالرُّوحِ عِنْدَ اللهِ مَبْرُورَا
جَميلةُ الذِّكرِ طابَ الغَرْسُ فِي زَمَنٍ
وَصَارَ كَالْمُزْنِ هَتَّالاً و تَوْقِيرَّا
إِنْ أَقْبَلَتْ تَاهَتِ الأَغْصَانُ مِنْ طَرَبٍ
وَأَصْبَحَ الرَّوْضُ بِالأَنْوَارِ مَغْمُورَا
أرنو لِبدرٍ تَمامٍ لا مَحاقَ لهُ
يَهدي الحيارى بليلٍ كانَ دَيْجورَا
فالفضلُ للهِ إذ أعطى لَنا قَمراً
بَينَ البَرِيَّةِ بالأخلاقِ مَشهورَا
فَالحُبُّ لَيسَ بِكَسبِ المَرءِ يَجمَعُهُ
لَكِنَّهُ قَدَرٌ تَلقاهُ مَسطُورَا
لا يَمْلِكُ القَلبُ ردَّ السَّهمِ إِنْ نَزَلَتْ
مِنهُ المَنِيَّةُ إِعجازاً وَتَقديرَا
وَما سُقوطُ الفَتى في الوَجدِ مَنقَصَةٌ
بَل رِفعَةٌ تَجعَلُ المَقهورَ مَنصورَا
تَعْلَمُ الْبِيْدُ مَا أُخْفِي مِنَ الْوَلَهِ
لذابَ جُلْمُودُهَا بِالشَّوقِ تَفْطِيرَا
هيَ المَلاذُ إذا ما الضِّيقُ حاصَرَني
وهيَ الأمَانُ إذا ما كُنتُ مَذعُورَا
يا دهرُ رِفقاً فآمالي تُتَوِّجُها
واجْعلْ حِماها بفضلِ اللهِ مَعْمُورَا
لا الاسمُ يُنصِفُها كَلّا ولا صِفَةٌ
تُحصي مَحاسِنَها لَفْظاً وتَقْرِيرَا
تِلْكَ التي صَاغَ الزَّمَانُ فَرِيدَةً
تُرْدي البَلِيغَ إِذَا أَرَادَ تَفْسِيرَا
صِدْقُ المَدِيحِ إِذَا مَا صِيغَ فِي قَمَرٍ
أَضْحَى عَلَى الرَّأْسِ إِكْلِيلاً وتَصْدِيرَا
المَدحُ يَصغُرُ عَنْ عُليا مَراتِبِها
والوَصفُ يَعجزُ تَقديراً وتَصويرَا
أَمَدَحْتُهَا والقَوَافِي مِلْءُ مِحْبَرَتِي
تَبْغِي بَهَاءً بِذَاكَ الوَجْهِ مَوْفُورَا
لا تَعْذُلُونِي إِذَا مَا صُغْتُ مَفْخَرَهَا
شِعْراً يَظَلُّ عَلَى الأَيَّامِ مَذْكُورَا
مَديحُها شَرَفٌ يَعلو بهِ أدبي
وَيَجْعَلُ الحَرْفَ في الآفاقِ مَسْفُورَا
لَوْلَا جَمَالُ خِصَالٍ فِي طَبِيعَتِهَا
ما كانَ شِعْري في المَلا مَنْذُورَا
قَد قلتُ فيها وما وَفَّيتُ مَنزِلةً
سُبحانَ من صَيَّرَ الياقوتَ مَنثورَا
فِي كُلِّ بَيْتٍ بَنَيْتُ المَجْدَ مِنْ أَدَبٍ
لِيَعْرِفَ النَّاسُ أَنَّ الحُبَّ مَبْذُورَا
سِتونَ بيتاً كعِقدِ الدُّرِّ أنظمُها
لهالةِ الشمسِ إجلالاً وتعبيرَا
حارَ البَليغُ وكَلَّ الجِنُّ عَنْ صِفَةٍ
وتَمْتَمَ الشِّعرُ إِجلالاً وتَقصيرَا
تَمَّتْ بفضلٍ منَ الرحمنِ قافِيَةٌ
تُعجِزُ الإنسَ تَرصيعاً وتَسْطِيرَا
فَيا إلهي أَدِمْ حُبِّي لَها أَبَداً
وَاجْعَلْ فُؤادي بِذاكَ الوَصلِ مَسرورَا
ثُمَّ الصَّلاةُ على المختارِ سَيِّدِنا
ما اهتزَّ غصنٌ وأبدى الروضُ تَقْطِيرَا