حَنَانَيْكَ مِنْ هَجْوٍ شَهِيِّ الْخَوَاطِرِ
فَوَاتِحُ تُشْهِينِي وَتَجَبُرُ خَاطِرِي(١)
وللَّهِ دَرُّ الزَّاهِدِينَ بِهَجْوِهِمْ
بِأَلْفٍ مِنَ الْأَبْيَاتِ قَبْلَ الْمَجَازِرِ(٢)
عَلَى كُلِّ بَحْرٍ أَنْ تُسَلَّى قَرِيحَتِي
بِلَهْوِ ضَعِيفِي في الْغُلَامِ الْمُفَاخِرِ(٣)
وبَعْدَ مَمَاتِي يُسْتَلَذُّ بِمِثْلِهَا
لِتَجْعَلَهُ أُضْحُوكَةَ الْمُتَسَامِرِ(٤)
ولَوْ شِئْتُ أَضْعَافًا لِأَلْفٍ مُضَاعَفٍ
ولَكِنْ عَلَا سِعْرًا زَهِيدُ مَحَابِرِي(٥)
فَلَا تَسْتَلِذَّ الْحَكَّ أَعْيَاكَ حَكُّهَا
فَمَعْرَكَتِي لَيْسَتْ تَحَكُّكَ شَاعِرِ(٦)
نِتَاجَ شُعُورٍ حِينَ يَشْعُرُ شَاعِرٌ
ولَا سَيَّمَا حَكٌّ مِنَ الْمُتَشَاعِرِ(٧)
حَنَانَيْكَ، أَبْصِرْ وَسْمَ قِدْحِكَ يَا فَتَى
فَمَا دُونَ شِعِرِي هَبْوُ صَوْتٍ لِنَاخِرِ(٨)
إِذَا فَاقَ، وَاعْلَوْلَى الْمُجِيدُ عَلَى الْمَلَا
رَمَقْتُ مَنِ اسْتَعْلَى بِطَرْفِ الْمَنَاخِرِ(٩)
بِشِعْرٍ لَهُ الْقِدْحُ الْمُعَلَّى عَلَا عَلَى
عَلِيٍّ عَلَالِيٍّ عَلِيلٍ وَصَاعِرِ(١٠)
ومَضْرَبُ كَفِّي لِلْمُفَاخِرِ مُوجِعٌ
ثَقِيلٌ صَدَى كَفِّي عَلَى الْمُتَصَاعِرِ(١١)
أَفَانِينُ شَتْمِي فَوْقَ هَجْوِي إِذَا اسْتَوَتْ
يَخِرُّ هِجَائِي تَحْتَ شَتْمِي الْمُجَاهِرِ(١٢)
ومَا خُضْتُ حَرْبَ الشِّعْرِ؛ أَنَّى وُلُوجُهَا؟
أَنَا الْحَرْبُ لَفْظًا لَسْتُ بِالْمُتَنَاحِرِ(١٣)
عَجِبْتُ لِمَنْ يَأْتِي وَيُشْهِرُ سَيْفَهُ
لِيَنْزِلَ ضَرْبًا في الْجِبَالِ الْقَوَاهِرِ
تَقِرُّ أُسُودُ الْغَابِ عَيْنًا تَرَفُّعًا
وصَنْعَةُ ضَبْعِ اللَّيْلِ غَدْرُ الْخَنَاجِرِ
ويَزْعُمُ مَنْ هَابَ الْقِتَالَ شَجَاعَةً
وآخِرُهُ في الْحَرْبِ عَدُّ الْخَسَائِرِ
وجَعْتَ دِمَاغِي بِالْهُرَاءِ وَمَا أَنَا
عَلَى تَاجِ عَرْشِ الشِّعْرِ بِالْمُتَشَاجِرِ
فَمِي صَانُعُ التِّيجَانِ فَوْقَ عُرُوشِهَا
وأُنْصِفُ بِالْإِحْقَاقِ أَيَّ مُشَاجِرِ(١٤)
ومَا كُلُّ مَنْ صَاغَ الْقَصِيدَ بِشَاعرٍ
مِنَ الشِّعْرِ مَا يُدْعَى نَهِيقٌ لِنَاعِرِ(١٥)
خَوَارِجُ فَنِّ الشِّعْرِ كُنْتُ عِقَابَهُمْ
بِقَطْعِ لِسَانٍ قَبْل شَجِّ الْمَشَافِرِ(١٦)
قَرَامِطَةٌ قَبْلَ الطَّوَاغِيتِ جِئْتُهُمْ
بِسَيْفٍ لِأَشْعَارِ الْخَوَارِجِ نَاحِرِ(١٧)
فَدَجِّجْ سُطُورًا مِنْ سِلَاحِ عَتَادِهَا
وطَعِّمْ مَعَانِي نَصِّهَا بِالْعَسَاكِرِ
وإِذْ مَا نَوَيْتَ الْحَرْبَ مِنْ دُونِ عُدَّةٍ
فَخْذْ لَكَ في الْهَيْجَاءِ أَكْبَرَ سَاتِرِ(١٨)
فَقُوْلي الذِي يَنْسَابُ فِيكَ يَشُبُّ مِنْ
دَوِيٍّ بِضَوْضَاءِ الْمَعَامِعِ صَاخِرِ(١٩)
فَأَصْبَحَ وَصْفِي، أَيْنَ مِنْكَ مَقَامُهُ،
شَجَاعَةَ فُرْسَانٍ، وَبَأْسَ مُقَاهرِ(٢٠)
غَنِيَّ دَلَالَاتِ الْمَجَازَاتِ مِلْسَعًا
كَغَوَّاصِ آفَاقٍ بِبَحْرِكَ طَائِرِ(٢١)
فَإِنْ زَادَ إِعْيَاءُ الْكَرِيمَةِ وَانْتَهَتْ
إِلَى حَثِّ أَعْضَائِي فَجَرَّبْ وَغَامِرِ(٢٢)
فَمِنْ دُونِ عِلْمِي قَدْ يَبِرُّ حِقَارُنَا
ويَهْجُوكَ غَيْبًا مَا ارْتَمَى مِنْ أَظَافِري(٢٢)
فَسُقْتُ عَذَابِي في الْجُمُوعِ إِلَيْهُمُ
فَلَيْسَ لَهُمْ دُونَ الْبُكَا مِنْ سَوَاتِرِ(٢٣)
فَإِنَّ مِنَ الْفَحْشَاءِ في الشِّعْرِ يَوْمَ أَنْ
يَنَولَ هِجَاءً مُدَّعٍ بِالضَّفَائِرِ(٢٤)
إِذَا بَاحَ صَمْتًا قِيلَ: (لَا فَضَّ فَاهَهُ)
إِذَا جَزَّ نَظْمًا قِيلَ: (أَقْبِرْ وَغَادِرِ)(٢٥)
ويَا عَجَبَ الدُّنْيَا يَرُوجُ حَقِيرُهَا
كَمَا رَاجَ لِلْمَهْوُوسِ عَرْضٌ لِدَاعِرِ(٢٦)
فَضُمَّ عَلَى صَفِّ الْهِجَاءِ كَمَا أَتَى
سَوَالِفُ مِنْ قَبْلِي وَمِنْ بَعْدِ دَابِرِي(٢٧)
أُعَلِّمُهُمْ هَجْوًا عَلَى أَصْلِ أَصْلِهِ
مِثَالًا عَلَى الْأُسْتَاذِ قَبْلَ الْمُحَاضِرِ(٢٨)
لَهُمْ قُلْتُ: (فَلْتَهْجُوا الْجَمِيعَ وَمِنْهُمُ
أَنَا كَمِثَالٍ قَبْلَ هَجْوِ الْمَعَاشِرِ) (٢٩)
إِذَا قَالَ هَجَّاءٌ قَصِيدًا أُجِيزُهُ
أَقُولُ لَهُ: (يَا صَاحِ جَوِّدْ وَذَاكِرِ)
إِذَا مَخْمَخَتْ رَأْسَ الْحُضُورِ مَذَمَّةٌ
أَقُولُ لَهُ: (مَرْحَى هَمَتْ بِبَشَائِرِي) (٣٠)
وإِنْ جَادَ مِنْ كَنْسِي هِجَاءً مُنَقَّحًا
أُكَافِئُهُ رَغْمَ الْخَوَا بِالسَّكَاكِرِ (٣١)
ومَنْ جَاءَ بَعْدِي مِنْ عَظِيمٍ بِشِعْرِهِ
كَمَنْ جَاءَ قَبْلِي فَالْمِدَادُ مَآثِرِي(٣٢)
ونَهْقُ الذِي وَلَّى وَفَخْرٌ لِسَابِقٍ
كَنَهْقِ الَّذِي يَأْتِي وَفَخْرِ الْأَوَاخِرِ(٣٣)
ومَا قِيلَ مِنْ شِعْرٍ بِشَتَّى فُنُونِهِ
ومَا سَوْفَ يُتْلَى مِنْ حَوَاشِي دَفَاتِرِى(٣٤)
ومُرْتَجِلُ الْأَشْعَارِ مِثْلُ مُجَوِّدٍ
دَؤُوبٍ عَلَى خَلْقِ الْقَصِيدَةِ سَاهِرِ(٣٥)
أُذِيقُهُمَا حَبْسًا بِسِجْنٍ مُشَدَّدٍ
وشَدَّدَ حُكْمَ الْحَبْسِ شُغْلُ الْمَحَاجِرِ (٣٦)
إِذَا قَالَ إِنْسِيٌّ قَصيدًا فَخَتْمُهُ؛
“وَذَا فَيْضُ شِعْرٍ مِنْ (أُسَامَةَ) مَاهِرِ”(٣٧)
وإِنْ قَالَ جِنِّيٌّ قَرِيضًا فَقَوْلُهُ؛
كِتَابٌ جَدِيدٌ لِي بِتَوْقِيعِ نَاشِرِي
وسَالِفُ عَصْرِي كُنْتُ جِنِّيَّ وَحْيِهِ
ويَنْحَلُ مِنِّي لَاحِقِي وَمُعَاصِرِي(٣٨)
وقُلْ لِلَّذِي رَادَ التَّشَاعُرَ وَقْتَ مَا
تُشَاعِرُ مَنْ يُمْلِيكَ شِعْرًا فَشَاعِرِ(٣٩)
(فَخِضْرُكَ) قَدْ أَسْقَاكَ شِعْرًا بِعِلْمِهِ
(وَمُوسَى) شَهِيرُ الشَّأْنِ لَيْسَ بِصَابرِ(٤٠)
وإِنْ رَادَ إِثْبَاتًا بُنُوَّةَ شِعْرِهِ
فَلَسْتُ لِأَحْمَاضِ النَّوَاةِ بِنَاكِرِ(٤١)
وصَبْرَكَ يَا مَنْ تَسْتَخِفُّ بِعُزْلَةٍ
لِمَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْ عُوَا مُتَشَاهِرِ(٤٢)
وأَبْشِرْ فَإِنَّ الشِّعْرَ صَارَ لَهُ أَبٌ
ولَيْسَ لَقِيطًا؛ هُمَّ أَعْلِنْ وَفَاخِرِ(٤٣)
فَإِنِّي أَنَا شِعْرُ الْخَلِيقَةِ مُذْ أَتَى
وجُسِّدْتُ في جِسْمِي كَأَصْلٍ بِظَاهِرِ(٤٤)
يُجَسَّدُ شِعْرِي في قَصَائِدِ مَنْ مَضَى
مِنَ الْخَلْقِ أَوْ مِمَّنْ سَيَأْتِي لِحَاضِرِ(٤٥)
فَإِنْ مَاتَ جِسْمُ الشِّعْرِ رُوحِي تُعِيدُهُ
حُلُولًا كَأَطْيَافٍ بِشَخْصٍ مُغَايِرِ(٤٦)
فَما القَبْرُ لِلْأَشْعَارِ إِلَّا تَمَازُجِي
كَمَسٍّ لِشَيْطَانِي بِصُورَةِ آمِرِ(٤٧)
يَغِيبُ كَفَرْعٍ وَالْأُصُولُ هَنِيئَةٌ
تُرَاقِبُ في زَهْوٍ غُرُورَ الْأَصَاغِرِ(٤٨)
فَإِنْ قُلْتُ: (هَيَّا اهْجُ الْقَصِيدَةَ وَاهْجُنِي
وزِدْ في هِجَائِي) كُنْتَ طَوْعَ أَوَامِرِي
كَحَاوٍ بِعَرْضٍ مِنْ بَرَاعَةِ قِرْدِهِ
يُصَفِّقُ جُمْهُورٌ لِرَوْعَةِ سَاحِرِ
فَمَنْ مُبْلِغُ الْأَقْوَالَ أَنِّي حُرُوفُهَا
فَلَا أَفْخَرَنْ بِالنَّفْسِ كَالْمُتَفَاخِرِ(٤٩)
إِذَا فَخَرَ النُّطَاقُ شِعْرًا بِلَفْظِهِمْ
فَلَا تَفْخَرُ الْأَلْفَاظُ مِثْلَ مُفَاخِرِ(٥٠)
أَنَا اللَّفْظُ يَسْرِي في نُفُوسٍ فَصِيحَةٍ
وفِي نَفْسِ مَنْ أَضْحَى يُنَادَى بِشَاعِرِ
وأَخَرَسِ نُطْقٍ، مِثْلِهِ، كُنْتُ لَفْظَهُ
بِمَا يَخْتَفِي بِالنَّفْسِ قَيْدُ الضَّمَائِرِ(٥١)
ويُنْسَبُ لِي شِعْرُ الذِي فَاحَ مُنْشِدًا
وأَسْرَارُ مَنْ أَخْفَى وَلَيْسَ بِذَاكِرِ(٥٢)
ومِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي أَكُونُ كَلَامَهُ
كَسَيْلٍ وَجُرْحٍ في الْقَرِيحَةِ غَائِرِ(٥٣)
إِذَا فَاحَ بِالْمَعْنَى عَلَى سِيخِ صَدْرِهِ
عَوَى قَلْبُهُ زَحْفًا لِلَحْمِ الْمَفَاهِرِ(٥٤)
كَشَهْقَتِهِ لِلْعِطْرِ في فَوَحَانِهِ
وفِي عِشْقِ مَا يَنْثَالُ مِنْ فَوْحِ عَاطِرِ(٥٥)
يَطِيبُ لَهُ لَذُّ الْكَلَامِ كَمَنْ شَهَا
دُخَانًا سَرَى مِنْ حَرْقِ دُهْنِ الْجَوَاعِرِ(٥٦)
فَيُعْجِبُهُ مَا فَاحَ مِنْ عِطْرِ شِعْرِهِ
ورَوْحِ رَيَاحِينِ الشَّذَا الْمُتَطَايِرِ(٥٧)
ومَنْ رَكَّبَ الْفَوَّاحَ غَيْرُ أَصَابِعِي؟
وقَدْ صَنَعَتْ مِنْ قَبْلُ زَادَ الْمَبَاخِرِ(٥٨)
ومَا ضَنَّ وَحْيي في قَصِيدَةِ شَاعِرٍ
ومَا كُنْتُ في تَدْبِيجِهَا بِمُصَادِرِ(٥٩)
ومَا حَبْسَةُ الْإِلْهَامِ مِنِّي وَإِنَّمَا
أَرَاهُ كَسُولًا مِنْ أَخَسِّ الْكَوَادِرِ(٦٠)
فَإِنْ بُحْتَ نَقْلًا عَنْ مِدَادِ قَرَائِحِي
فَخُذْ مِنْ صَحِيحِ الشِّعْرِ وَالْمُتَوَاتِرِ(٦١)
وخُذْ يَا بْنَ شِعْرِي مِنْ عَلِيٍّ لِوَحْيِنَا
ومَا هَمَّنِي تَضْمِينُهُ بِالْمَصَادِرِ(٦٢)
وإِنْ مُتُّ جِسْمًا كُنْتُ فَاكَ فَلَا تَخَفْ
فَإِلْهَامُ وَحْيِي لَا يُحَدُّ بِآخِرِ(٦٣)
وإِيَّاكَ إِتْيَانَ الْقُبُورِ مُصَادِفًا
فَلَعْنَاتُ قَبْرِي رَاصِعَاتٌ بزَائِرِي(٦٤)
جَبَابِرَةٌ دُونِي تُزَارُ قُبُورُهُمْ
ومَنْ زَارَ قَبْرِي ذَاقَ هَجْوَ الْمَقَابِرِ
(فَإِسْكَنْدَرُ الْيُونَانِ) سَوْفَ تَزُورُهُ
(وَجَنْكِيزُ) إِنْ طَالَ الزَّمَانُ لِنَاظِرِ(٦٥)
ولَكِنَّ قَبْرِي لَسْتَ مِنْ مُدْرِكٍ لَهُ
كَشِعْرِي إِذَا اسْتَخْفَى بِعَقْلِ مُشَاعِرِي(٦٦)
ومَا نُلْتَ مِنِّي غَيرَ مَا قَدْ وَهَبْتُهُ
فِإِنْ نُلْتَ مِنِّي نُلْتَ حَظَّ مُطَاهِرِي(٦٧)
غَزَالٌ هُوَ النَّسْنَاسِ في عَيْنِ أُمِّهِ
كَمُزْجَاةِ أَصْنَافٍ بِعَيْنِ الْمُتَاجِرِ(٦٨)
وكُلُّ فَتًى في الشِّعْرِ يَعْبُدُ شِعْرَهُ
يَبِيعُ لَنَا الْأَشْعَارَ بَيْعَ الْمَتَاجِرِ
كَقَزْمٍ يُدَارِي بِالْأَسَاطِيرِ نَقْصَهُ
قَصِيرٌ زَهَا بِالطُّولِ لِلْمُتَقَاصِرِ(٦٩)
بِمِسْطَرَةٍ قَاسَ الْفَتَى وَأَنَا الذِي
رَسَمْتُ خُطُوطَ الطُّولِ فَوْقَ الْمَسَاطِرِ
يَظَلُّ كَمَعْتُوهٍ يُقَدِّسُ نَفْسَهُ
يَبِيعُ لَنَا وَهْمًا بِحِيلَةِ تَاجِرِ
كَأَنَّ الْفَتَى الْمُحْتَالَ في الشِّعْرِ قَدْ أَتَى
وحِيدًا بِإعْجَازٍ وَدَاهِي الْأَبَاجِرِ(٧٠)
فَأَكْبَرَنِي لَمَّا تَعَبَّدَ قَوْلَهُ
ومَا رِدْتُ تَقْدِيسًا بِزَهْوَةِ فَاجِرِ(٧١)
كَذَاكَ عُلُومُ الْعَارِفِينَ تُضِلُّهُمْ
وقَدْ وَهَمُوا تَحْقِيقَ عِلْمِ الْأَكَابِرِ(٧٢)
وأَعْتَى عُتَاةِ الْأَغْبِياءِ إِذَا الْفَتَى،
مَحَا نَفْسَهُ بِالْحُمْقِ، كَالْمُتَآمِرِ
تَدُورُ عَلَى الْحَمْقَى دَوَائِرُ بُؤْسِهِمْ
فَدُرْتُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ خَلْقِ الدَّوَائِرِ
تَخَصَّصْتُ في تَحْقِيرِ عَاشِقِ نَفْسِهِ
تَفَرَّدْتُ في جَلْدِ الْعَتِيِّ الْمُبَاهِرِ(٧٣)
وجَلْدِ الذِي يُوحَى بِشِعْرٍ لَهُ إِذَا
تَنَاسَى مَقَامِي؛ كَالْتِحَادٍ لِكَافِرِ(٧٤)
وأَبْنِي قُصُورًا نَاطِحَاتٍ سَحَابَهَا
وأَبْنِي قُبُورًا قَبْلَ صَبِّ الْعَمَائِرِ(٧٥)
ووَادِي هَلَاكٍ بِاسْمِ (عَبْقَرَ) بِعْتُهُ
لِكُلِّ خَسِيسٍ مِنْ خُرَاجِ الْحَظَائِرِ(٧٦)
فَيَا شُعَرَاءَ الْأَرْضِ جُودُوا بِشِعْرِكُمْ
فَفِي الشَّرْقِ ثُمَّ الْغَرْبِ أَنْتُمْ جَوَاهِرِي
وأَهْلًا بِكُمْ مِنْ وَحِي شِعْرٍ بَثَثْتُهُ
وإِنْ كَانَ هَجْوًا مِنْ صَحِيحِ الشَّعَائِرِ
وقُلْ لِلَّوَاتِي يَرْتَكِبْنَ حَمَاقَةً
بِنَفْخِ الذِي يَزْهُو كَنَفْخِ الْخَمَائِرِ (٧٧)
وقُلْ لِلَّتِي رَادَتْ بِسَيْفِ جَمَالِهَا
وتَحْتَ مُسَمَّى الشِّعْرِ جَذْبًا لِنَافِرِ
أَنَا في مَكَانِي لَا طَرِيقَ لِعِزَّتِي
سَئِمْتُ رُكُوبِي فَوْقَ ظَهْرِ الْحَمَائِر(٧٨)
ولَا بَأْسَ مِنْ شِعْرٍ، وَرَغْمَ تَأَفُّفِي
إِذَا ذُقْتُ طَهْوًا مِنْ أُولَاكَ الشَّوَاعِرِ
شَرِيطَةَ أَنْ يَطْهُونَ خَيْرَ وَلِيمَةٍ
وصِنْفًا جَدِيدًا مِنْ لَذِيذِ الْفَطَائِرِ
ويَأْخُذْنَ في الْحُسْبَانِ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ
تَحَابِيشَ تَرْوي مِنْ رَطِيبِ الْعَصَائِرِ(٧٩)
وسَطْلٍ هَضُومٍ مِنْ حَلِيبٍ مُثَلَّجٍ
قُحَاحٍ مُصَفَّى أَوْ رَءُوبٍ وَمَاضِرِ(٨٠)
ويُغْرِقْنَ مِنْ صُوصِ (الدِّمِجْلَاسِ) تَحْتَهُ
شَرَائِحُ جُبْنٍ فَوْقَ لَحْمِ الشَّطَائِرِ(٨١)
تَجَنُّبُ شَرِّي وَاتِّقَاءُ مَذَمَّتِي
قَصَائِدُ حقٍّ أَوْ شَهِيُّ التَّنَاجِرِ(٨٢)
وقَرْنَ بِبَيْتٍ أَوْ فَلُذْنَ بِمَطْبَخٍ
ونِمْنَ عَنِ اْلَأشْعَارِ مِثْلَ الْقَصَائِرِ(٨٣)
خُلِقْتُنَّ لِلْبَيْتِ اسْتَتِرْنَ بِدِفْئِهِ
كَرِيمَاتِ مَجْدٍ كُنَّ مِثْلَ الْحَرَائِرِ(٨٤)
فَمَا ليَ مِنْ ذِكْرِي لَهُنَّ تَقُيُّؤًا
ومَا لِسُيُوفِ الْغُنْجِ شِعْرُ الْمَنَابِرِ(٨٥)
فَلَيْسَ لِمَنْ بَاعَتْ جَمَالًا تَنَزُّهٌ
ولَيْسَ لَهَا غَيْرُ اعْتِجَارِ الْمَعَاجِرِ(٨٦)
إِذَا شَرِبَ النُّقَّادُ كَأْسَ مُنِيفَةٍ
تُقَيِّدُهُمْ مِنْ سِحْرِهَا بِالْأَسَاوِرِ(٨٧)
فَصَارَ دَلَالُ الشِّعْرِ قَبْلَ عَظِيمِهِ
جَوَازَ مُرُورٍ لِلْحَرِيمِ الْبَهَائِرِ(٨٨)
وفِي اللَّيْلِ نُقَّادَ الْمَلَاهِي أَخَذْتُهُمْ
كَأَخْذِ عَزِيزٍ بِالسُّيُوفِ الْعَوَاجِرِ(٨٩)
ورَاءَ اْلمَبَانِي حَيْث يُوجَدُ مَصْنَعٌ
لِصُنْعِ الْكَرَاسِيِّ امْتِدَادَ (الْهَنَاجِرِ)(٩٠)
فَرَشْتُ لَهُمْ بَعْدَ الْمُلَاءَاتِ سَطْوَتِي
فَأَلْزَمْتُهُمْ تَنْظِيفَ فَرْشِ (الْعَنَابِرِ)(٩١)
وأَثْنَوْا عَلَى بَطْشِي كَمَا وَافَقُوا عَلَى
أَذًى وَاعْتِدَاءٍ في (الْهَنَاجِرِ) سَافِرِ(٩٢)
وأَثْنَوْا عَلَى شِعْرِي لِكَسْرِ عُيُونِهِمْ
وأَجْرَوْا دِرَاسَاتٍ عَلَى خَيْرِ كَاسِرِ
بِتَقْبِيلِ كَفٍّ بَاطِنًا بَعْدَ ظَاهِرٍ
وكَفِّي غَشُومٌ فَوْقَ صُدْغٍ لِشَاكِرِي(٩٣)
لِقَارِئِ شِعْرِي مِنْ نَصِيبِ مَذَمَّتِي
بِقَدْحٍ عَلَى جُرْحِ الْوَجِيعَةِ فَاخِرِ(٩٤)
وأَهْجُو قَصِيدِي بَعْدَ جَلْدِ مَنِ اعْتَدَى
كَطَعْنَةِ غَدْرٍ مِنْ خَلِيلٍ مُسَاجِرِ(٩٥)
يَلِيقُ بِهَجَّائِي قَصِيدِي أَبُثُّهُ
قُمَامَاتِ أَفْكَارٍ تَحِيقُ بِمَاكِرِ(٩٦)
لِأَنْهَاهُ عَنْ هَجْوِ الْمُلَقِّنِ شِعْرَهُ
لِمَا اخْتَارَ مِنْ هَجْوٍ قَمِيءٍ وَخَاسِرِ(٩٧)
وهَذِي قُمَامِي مِنْ قَصِيدٍ أَجَزْتُهَا
كَتَصْرِيفِ أَيْضٍ في خَلَاءِ الْمَشَاعِرِ(٩٨)