أَتَيْتُ الْحِجَابَ فقُلْتُ افْتِتَانَا:
(عَطِشْتُ فَدَعْنِي أَرَاكَ عِيَانَا(١)
تَنَاهَ لِعَيْنٍ يَطِيبُ لَهَا
بِرُؤْيَةِ كَرْمِكَ أَنْ تَتَغَانَى) (٢)
فَأَعْوَزَ عَيْنًا تَتُوقُ لَهُ
وأَوْحَى إِلَى قَدَحِي: (لَنْ تَرَانَا(٣)
فَمَا بَعْدَ شَفِّ الْحِجَابِ، الَّذِي
تَجَاوَزَ سِدْرَتَنَا، لَا يُدَانَى(٤)
ولَكِنْ تَحَرَّيْ سَمَاءً لَنَا
إِذَا أَصْبَحَتْ وَرَدَةً وَدِهَانَا(٥)
فَيَنْسَدِلُ الشَّفُّ عَنِّي وَقَدْ
تَجَلَّيْتُ لِلْعَاشِقِينَ عِلَانَا(٦)
فَيَنْهَلُ تَوَّاقُ إِبْرِيقِنَا
عُصَارَ مُعَتَّقَةٍ شَعْشَعَانَا)(٧)
وصَاحَبْتُ عَيْنِي لِأَدْرَاجِهَا
لِأَسْتَاقَ تَحْتَ الْبُكَاءِ الظِّعَانَا(٨)
وأَوْجَسَ مَوْكِبُنَا خِيفَةً
ورَوَّعَ رَكْبُ الرَّحِيلِ جَنَانَا(٩)
تَوَجَّسَ رُعْبًا وَأَبْصَرْتُهُ
عَلَى لَوْعَةٍ فَزِعًا هيَّبَانَا(١٠)
وبِالشِّعْرِ سَبَّحْتُ في الْغَارِ كَيْ
أُبَلْسِمَ ذَا النَّبْضَ حَتَّى اسْتَكَانَا(١١)
وقَدْ دَاعَبَ الذِّكْرُ مِزْمَارَهُ
وحَطَّ عَلَى الصَّخْرِ قَوْلِي فَلَانَا(١٢)
ودَوَّمْتُ في ذِكْرَيَاتٍ مَضَتْ
وحَلَّقْتُ مَا بَيْنَ كُنْتُ وَكَانَا(١٣)
وأَبْرَقَ نَورٌ لِكَهْفِي وَقَدْ
تَوَطَّأْتُهُ مَعْبًدًا وَمَعَانَا(١٤)
وكُلُّ شُعَاعٍ يُلَقِّنُنِي
وصَايَا لِتَخْلُدَ فِيَّ وِتَانَا(١٥)
كَتَبْتُ شَفِيفَ تَعَالِيمِهَا
وزَيَّنْتُ بِالنَّقْشِ لَوْحًا صُوَانَا(١٦)
وطَالَ التَّكَهُّفُ وَالزَّادُ مَا
تُسِرُّ مَغَارَاتُ نَفْسِي اكْتِنَانَا(١٧)
إِلَى مَجْمَعِ الزَّاخِرَيْنِ سَرَى
فُؤَادِي يُرِيدُ دَلِيلًا بَيَانَا(١٨)
وفِي إِثْرِ حُوتٍ؛ غَرِيبٌ أَتَى
يُرَافِقُ تِلْمِيذَهُ التَيَّهَانَا(١٩)
فَقَالَا: (أَأَنْتِ الضِّيَاءُ؟) فَمَا
رَدَدْتُ فَزِدْتُهُمَا تَيَهَانَا(٢٠)
وأَنْزَلْتُ ضَيْفِيَّ في خَيْمَةٍ
أَنَرْتُ لِلَيْلِهِمَا شَمْعِدَانَا(٢١)
وقَالَ كَبِيرُهُمَا: (أَفْصِحِي
لِكَيْ أَسْتَشِّفَ الْعِمَاقَ الْبِطَانَا(٢٢)
شَهَوْتُ مِنَ النُّورِ زُبْدَةَ مَا
تَبَلَّجَ مِنْ شُعِّهِ أَصْرَمَانَا(٢٣)
وشَقْشَقَ في مَنْ مَشَى حَالِمًا
(لِأَنْدَلُسٍ) وَابْتَنَى (قَيْرَوَانَا)(٢٤)
فَفُضَّي الْغَشَاوَةَ عَنْ عَيْنِنَا
لَيُصْبِحَ غَيْهَبُنَا إِضْحِيَانَا)(٢٥)
فَنَادَى يُجَمِّعُ أَسْبَاطَهُ
إِلَيَّ وَعُصْبَتُهُ تَتَدَانَى
فَأَكْبَرْتُ فَرْطَ اسْتِهَانَتِهِ
بِحَمْلِ الْأَمَانَةِ لَمَّا أَبَانَا
فَقُلْتُ عَلَى خَشْيَةٍ مُشْفِقًا:
(أَمَا يَا ثِمَارُ اسْتَبَقْتِ أَوَانَا؟
تَمَهَّلْ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي
عَلَى الْحَدْسِ صَبْرًا وَلَا الْكَشْفُ حَانَا)
فَقَالَ: (مُحَرَّمَةٌ أَثْمَرَتْ
وحَانَ زَمَانُ الْقِطَافِ وَآنَا(٢٦)
فَقُلْتُ: (تَرَاجَعْ لِمَهْدٍ وَفِي
عَشَاءٍ أَخِيرٍ تَتَبَّعْ صَدَانَا)
وبِاسْمٍ خَفِيٍّ دَعَوْتُ؛ يَعِي
غُمُوضًا تَخَفَّى عَلَيْهِ اكْتِمَانَا(٢٧)
وفِي نَهْرِ (أُرْدُنَ) عَمَّدْتُهُ
فَكُنْتُ مُغَمِّسَهُ الْمَعْمَدَانَا(٢٨)
وأَنْزَلْتُ مَائِدَةً مِنْ عَلٍ
وأَتْرَعْتُ لِلْمُمْتَرينَ خِوَانَا(٢٩)
وعَبْرَ الْمَعَارِجِ صَعَّدْتُهُ
وذَوَّقْتُهُ خُلْسَةً مُقْتَنَانَا
فَكُنْتُ لَتَحْزِيرِهِ سُلُّمًا
ونَحْوَ السَّمَا مَدْرَجًا فارْتَقَانَا(٣٠)
فَوَارَدْتَهُ الْوِرْدَ مِنْ (كَوْثَرٍ)
وبَيْنَ الْمَلَذَّاتِ طُفْنَا جِنَانَا(٣١)
إِلَى أَنْ تَكَبَّدَ مُسْتَسْلِمًا
بِلَفْحَةِ شَمْسِ الْيَقِينِ رِعَانَا(٣٢)
فَعَوَّذْتُهُ مِنْ دَوَاءِ رُقًى
وحَرَّضْتُهُ قُدُمًا فَتَوَانَى(٣٣)
تَأَزَّى عَنِ الْخَوْضِ في مُتْعَةٍ
وكَانَ التَّأَزِّي إِلَيَّ ارْتِكَانَا(٣٤)
وفِي كَرَّةٍ تَقْتَفِي كَرَّةٍ
أَعَدْتُ الْمَسِيرَ فَبَثَّ انْهِدَانَا(٣٥)
فَقُلْتُ: (لِمَا قَدْ لَبِثْنَا مَعًا
مِنَ الْوُدِّ فِي الْحُلْمِ أُبْدِي امْتِنَانَا)
فَقَالَ: (أَعَدْلُكِ إِلْقَاؤُنَا
بِنِصْفِ الطَّرِيقِ بِغَيْرِ هُدَانَا؟)
فَقُلْتُ: (اكْتَفَيْتُ بِثِنْتَيْنِ إِذْ
صَبَرْتُ وَأَرْهَقْتَ مِنْكَ امْتَحَانَا(٣٦)
فَإِنْ كُنْتَ تَرْجُو مَزِيدَ رُؤًى
فَسَلْ ذَا الَّذِي في السَّمَاءِ؛ أَبَانَا)
وقُوبِلْتُ مِنْهُ بِمَا انْسَابَ مِنْ
عَدَاوَةِ خَصْمٍ تُحِلُّ دِمَانَا
فَمَشَّيْتُ هَوْنًا وَقُلْتُ لَهُ:
(سَلَامًا عَلَى مَنْ أَطَاعَ هَوَانَا(٣٧)
قَدِ انْصَدَعَتْ ثِقَةٌ بَيْنَنَا
وهَذَا فِرَاقٌ يَفُكُّ قِرَانَا)(٣٨)
وكَمْ قَدْ أَتَى حَالِمٌ مِثْلُهُ
يُغالِظُ آنَا وَيُلْطُفُ آنَا
يُزِيحُ انْغِمَاسًا لَنَا مِنْ تُقًى
ومِنْ وَرَعِ الخَلَوَاتِ حِيَانَا(٣٩)
سَمِعْتُ بِأَنَّ لَقِيطًا هَجَانَا
دَعُوهُ يُحَاوِلُ يَبْنِي كِيَانَا
دَعُوْهُ مَلِيًّا لِأَضْغَاثِهِ
وأَرْخُوا لِحَاطِبِ لَيْلٍ عِنَانَا(٤٠)
يَظَلُّ الْمُعَاقُ مُعَاقًا وَإِنْ
وهَبْنَاهُ بَعْدَ الزَّمَانِ زَمَانَا
قَصَائِدُهُ نَيِّئَاتٌ وَإِنْ
أُعِيدَ عَلَى طَهْيِهِنَّ ثُمَانَا(٤١)
ومَنْ قَالَ: (شِعْرٌ) عَلَى لَغْوِهِ
يَحِقُّ عَلَى حُمْقِهِ أَنْ يُدَانَا(٤٢)
وهَلْ سَاءَ دَهْرٌ لِتَسْتَبْدِلُوا
بِأَرْقَى عُطُورِ (فَرَنْسَا) صُنَانَا؟!(٤٣)
أَمِيتُوا الضَّلَالَ وَلَا تُكْبِرُوا
ثُعَيْبِينَ شِعْرٍ وَلَا أُفْعُوَانَا(٤٤)
فَنَحْنُ الْحُوَاةُ، وَمَنْ غَيْرُنَا؟،
ونَحْنُ (الرِّفَاعِيُّ) أَيْنَ أَتَانَا(٤٥)
نَحُطَّ عَلَيْهِ كَشَيْطَانِهِ
إِذَا مَا تَفَكَّرَ فِينَا الْتَقَانَا
كَرُؤْيَا سَوَادٍ بِأَحْلَامِهِ
كَسَبْعٍ عِجَافٍ أَكَلْنَ السِّمَانَا
وكُلُّ بِلِيدٍ وَمُسْتَهْتِرٍ
يُعَاشِرُ في فَصْلِهِ خَيْزُرَانَا(٤٦)
ونَحْنُ السَّمَاءُ وَأَقْمَارُهَا
ولَا نَعْتَنِي بِوَمِيضِ سُهَانَا(٤٧)
تَسِيرُ الْقَوَافِلُ سَاخِرَةً
بِمَنْ هَرَّ أَوْ بَثَّ فِيهَا غُنَانَا(٤٨)
وكُلُّ حَقِيرٍ أَرَادَ الْعُلَا
تَمَحَّكَ في ثَوْبِ أَعْظَمِ شَانَا(٥٠)
دَعُوهُ يَعِيشُ أَهِمِّيَةً
ويُعْمِرُ في الْهَلْوَسَاتِ مَكَانَا(٥١)
وقُولُوا لَهُ؛ "إِنْ لَغَوْتَ فَقِفْ
لِشَاعِرَةِ الشُّعَرَا دَيْدَبَانَا"(٥٢)
وقُولُوا؛ "تَوَقَّ بِسِقْطِ الِّلوَى
مَنِ احْتَرَفَتْ شِعْرَهَا الْأُلْعُبَانَا(٥٣)
فَأَبْيَاتُهَا كَالْعَقَارِبِ لَا
تَخِيبُ لَهَا لَسْعَةٌ مِنْ زُبَانَى(٥٣)
وإِنْ قُلْتَ سَفْسَطَةً فَاصْطَحِبْ
لِمَا قَدْ نَطَقْتَ بِهِ تُرْجُمَانَا"(٥٤)
سَلُوا الْغِرَّ عَمَّنْ يَعِي شِعْرَهُ
سِوَى الْقَوْمِ مِنْ (بُتْسُوَانَا) (وَغَانَا)!(٥٥)
فَإِنِّي الَّتي قَدْ جَبَيْتُ إِذَا
قَبِلْتُ مَعَ الْمُعْجِزِينَ الرِّهَانَا(٥٦)
ومَا فِعْلُ قُوْمٍ يَرُومُونَنَا
لِحَرْبٍ سِوَى أَنْ يَقُولُوا: (عَسَانَا)!(٥٧)
فَلَا النَّابِغَاتُ لَحِقْنَ بِنَا
ولَا الْأَلْمِعِيُّونَ مِنْ مُسْتَوَانَا(٥٨)
عَلَى الْمَاءِ نَرْقُمُ أَشْعَارَنَا
وفِي الْجَوِّ نَمْشِي وَتَلْهُو خُطَانَا(٥٩)
تَخِرُّ عَفَارِيتُ شِعْرٍ لَنَا
وتُسْتَعبَدُ الْجِنُّ في مُحْتَوَانَا
وجَزْلٌ حَبَسْنَاهُ في قُمْقُمٍ
طَرِيحَ قَصَائِدِنَا لُؤْلُؤَانَا(٦٠)
أَفَضْنَا الْعَطَاءَ لِأَلْفَاظِنَا
فَتَحْنَا لَهَا في (الْبُنُوكِ) ائْتِمَانَا(٦١)
فَطَوْرًا تُصَادِفُهَا صَلْدَةً
وطَوْرًا تَرَاهَا الْقُدُودَ الِّلدَانَا(٦٢)
ومَتْنُ الْقَصِيدَةِ دَانَ لَنَا
فَيَمْشِي عَلَى كَيْفِ كَيْفِ هَوَانَا(٦٣)
حَفَظْنَاهُ بَيْنَ الضُّلُوعِ وَقَدْ
غَدْونَا بِتَحْنِيطِهِ كَهْرَمَانَا(٦٤)
وحَيْثُ غَوَارِبُ أَمْوَاجِهِ
تُرَوِّضُ بَطْشَ الْبُحُورِ قُوَانَا(٦٥)
وكلُّ الْمَعَانِي بِأَغْوَارِهَا
تَتُوقُ إِلَى أَنْ تَنُولَ رِضَانَا
وكُلُّ مَجَازٍ تَوطَّنَ فِي
مُخَاتَلَةٍ لِوَمِيضِ سَنَانَا(٦٦)
فَمَا اسْتَوْعَبَ الشِّعْرُ مَكْنُونَنَا
ولَا كَوْنُ أَرْقَى الْخَيَالِ حَوَانَا
ولَا رَجَلٌ فِيهِ طَاوَلَنَا
ومَا اسْطَاعَ فَذٌّ بُلَوغَ مَدَانَا
حَرِصْنَا عَلَى مَا اشْتُهِرْنَا بِهِ؛
تُعَقِّمُ فَحْلَ الْقَصِيدِ مُدَانَا(٦٨)
فَلَيْسَ لِفَحْلٍ مِنَ الشُّعَرَا
ءِ مَوْطِئُ أُنْمُلَةٍ مِنْ سَمَانَا(٦٩)
ولَيْسَ لِمِنْجَابِ شِعْرٍ، رَجَتْ
أَمَانًا، مَلَاذٌ خِلَافَ حِمَانَا(٧٠)
أَنَا الْجَمْرُ؛ وَقَّادَةٌ، بَيْنَمَا
تَنَاثَرَ حَوْلِي الْفُحُولُ دَمَانَا(٧١)
أَنَا النَّارُ أَهْدِي الْوَرَى بَيْنَمَا
تَطَايَرَ شِعْرُ الْفُحُولِ دُخَانَا
وكَمْ في (عِكَاظَ) قَعَدْنَا لَهُمْ
فَنُعْطِي لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْأَمَانَا(٧٢)
ونُعْتِقُ حَرْبًا عَلَى مَنْ بَغَى
ونُسْفِكُ مِنْ عِرْقِهِ أُرْجُوَانَا(٧٣)
نَصُبُّ الْعَذَابَ بِكَأْسٍ لَهُ
فَيَشْرَبُ مَا قَدْ جَنَتْهُ يَدَانَا
يُوَثِّقُ مَنْ يَكْتُبُ الشِّعْرَ كَمْ
تَكَبَّدَ أَلْفَ مَخَاضٍ وَعَانَى
كَأَنَّ مَشَاعِرَهُ نَزَفَتْ؛
إِذَا حَلَّ وَحْيٌّ، دَمًا زَعْفَرَانَا(٧٥)
ونَحْنُ بِخِنْصَرِ أَرْجُلِنَا
كَتَبْنَا عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَسَانَا(٧٦)
ولَا نَكُتُبُ الشِّعْرَ إِلَّا إِذَا
عَلَى عَتَبَاتِ الْقَرِيحَةِ هَانَا(٧٧)
قَنَصْتَ بِكُلِّ أَرِيحِيَّةٍ
عَجِيبَكَ يَا ذِهْنَنَا الْمَلْقَطَانَا(٧٨)
وكَمْ رَوَّضَ الْعَقْلُ مُسْتَغْلَقًا
وهَوَّنَ مُسْتَصْعَبًا وَاسْتَلَانَا(٧٩)
فَفي رَغَدِ النَّسْجِ نَحْصُدُ مَا
أَمَرْنَا بِهِ أُفْقَنَا الرَّحْرَحَانَا(٨٠)
ونَغْرِسُ زِئْبَقَ أَفْكَارِنَا
ونَخْطِفُ دُرَّ الْكَلَامِ اِحْتَجَانَا(٨١)
غَدَوْنَا أُبُوًّا لِحرفَتِنَا
وأُمَّ الْمَجَالِ وَهَمٌّ سَلَانَا(٨٢)
رَسَخْنَا وَأَصْبَحَ مَوْقِعُنَا
مَكِينًا وَوَقْفَتُنَا سِنْدِيَانَا(٨٣)
أَتَانَا الْمُتَيَّمُ مُسْتَسْقِيًا
لِيَمْلَأَ مِنْ صَفْوِ رَاحٍ دِنَانَا(٨٤)
صَبَبْنَا سُلَافَةَ إِبْرِيقِنَا
لَهُ مُهْرُقَانًا يَلِي مَهْرَقَانَا(٨٥)
فَإِنْ شَاءَ عُرْسًا دَوَى طَبْلُنَا
وإِنْ شَاءَ حُزْنًا عَزَفْنَا (كَمَانَا)
وإِنْ شَاءَ (زِرْيَابَ) في فَنِّنَا
أَتَيْنَا بِهِ وَأَضَفْنَا الْقِيَانَا(٨٦)
يَخَالُ الْمُتَيَّمُ أَشْعَارَنَا
إِذَا حَلَّقَتْ فَوْقَهُ كَرَوَانَا
نَسَجْنَا الْقَصَائِدَ لِلْمُشْتَهِي
دَوَاءً فَتُذْهِبُ عَنْهُ احْتِزَانَا(٨٧)
تُبَخِّرُ مَحْسُودَ أَيَّامِهِ
وتَنْثُرُ في طَقْسِهِ بَلَسَانَا(٨٧)
وتَحْرِقُ في قُدْسِ أَقْدَاسِهِ،
لِكَيْ تَتَفَشَّى الْعُطُورُ، لُبَانَا(٨٨)
نَفَحْنَا الرَّبِيعَ وَكُلُّ امْرِئٍ
تَنَسَّمَ مِنْ يُمْنِنَا أُقْحُوَانَا
وكُلُّ قَصِيدَةِ شِعْرٍ لَنَا
فَرِيدَةُ نَوْعٍ تَفُوقُ جُمَانَا(٨٩)
لِتُصْبِحَ في الشِّعْرِ (أَيْقُونَةً)
وسَيِّدَةً مَقْصِدًا وَحِصَانَا(٩٠)
حَدِيثَةَ عَهْدٍ، عَلَى فِطْرَةٍ
وخَوْدًا تُغِيرُ الْعَذَارَى الْحِسَانَا(٩١)
ونَاضِجَةً في الْجَمَالِ؛ إِذَا
تَشَوَّقَ أُنْثَى وَتَمًّا عَوَانَا(٩٢)
مَنَحْنَا وَنُقْرِضُ كُلَّ الْوَرَى
أَجَاوِيدَ وَالشَعْرُ مِنَّا اسْتَدَانَا(٩٣)
قِلَائِدُ فَخْرٍ جَدُرْنَا بِهَا
وكِتْفٌ لَنَا اسْتَأْهَلَتْ (طَيْلَسَانَا)(٩٤)
ونَدَّخِرُ الشِّعْرِ في سِرِّنَا
نُخَزِّنُهُ في الضُّلُوعِ اخْتِزَانَا
ونَرْوِيهِ لِلنَّاسِ مَعْزُوفَةً
فَيَسْتَعْجِبُ النَّاسُ مِمَّا دَهَانَا
ولِدْنَا وَفِي فَمِنَا هَيْبَةٌ
ومَنْ أَوْجَسَ الصَّمْتَ مِنَّا اتَّقَانَا(٩٥)
وقَبْلَ وِلَادَتِنَا سُمْعَةً
مَلَكْنَا؛ تُغَطِّي الْفَضَاءَ دِجَانَا(٩٦)
ويَسْبِقُ إِقْبَالَنَا صَيْتُنَا
بِشِعْرٍ عَلَى الشُّعَرَاءِ اسْتَبَانَا(٩٧)
أَرَادَ بنَا الْحَالِمُونَ أَذًى
وكَمْ غَرَّهُمْ صَمْتُنَا وَتُقَانَا!
وكَمْ دَبَّرَ الطَّامِحُونَ لَنَا
فَحَازُوا الْمَطَامِحَ بَيْنَ رَحَانَا(٩٨)
تَمَادَوْا وَأَشْعَارُنَا فَوْقَهُمْ
كَطُوفَانِ (نُوحٍ) غَدَتْ فَيَضَانَا
فَكُنَّا لَهُمْ دَائِمًا (بُعْبُعًا)
يُصَيِّرُ إِصْبَاحَهُمْ غَيْهَبَانَا
فَجَرْنَا وَليسَ عِقَابٌ لَنَا
سِوَى شَغَفٍ يَسْتَبِيحُ قُرَانَا
خَسَفْنَا بِذَوْقِ الَّذِي يَدَّعِي
عَلَى الشِّعْرِ إِفْكًا مَقَامًا مُهَانَا
وكَمْ مُدَّعٍ قَدْ أَتَى مُنْجِدًا
فَيَخْرُجُ مِنْ شِبْرِ مَاءٍ مُعَانَا!
وإِنْ نَشْدُ بَيْتًا بِهِ حِكْمَةٌ
يَكُنْ سَيِّدًا وَبِهِ مُسْتَعَانَا
كَتَبْنَا الْقَرِيضَ عَلَى شَذْرَةٍ
ومَنْ يَنْبِرِي لِلطِّوَالِ سِوَانَا؟!(٩٩)
ولَمْ نَلْقَ أَيَّ مُنَافَسَةٍ
ولَمْ نَلْقَ مَنْ "كَادَ يَرْقَى وَدَانَى"
زَهِدْنَا فَلَا شَيْءَ أَدْهَشَنَا
ولَا الشِّعْرُ في ذَاتِهِ قَدْ غَوَانَا
فَلَا الْغَزَلُ الْقُحُّ أَوْقَعَنَا
ولَا رَسْمُ دَارٍ أَثَارَ بُكَانَا(١٠٠)
ولَا سَاحِرٌ فِي الْقَصِيدِ غَوَى
ولَا خِلُّ شَعْوَذَةٍ قَدْ سَبَانَا(١٠١)
ومَا اسْطَاعَ سِحْرٌ إِثَارَتَنَا
ولَا دَجَلُ (السَّامِرِيِّ) اسْتَبَانَا(١٠٢)
ولَا أَحَدٌّ بِالْفَصِيحِ عَلَانَا
ولَا شَيْءَ غَيْرُ الْوَقَارِ اعْتَلَانَا
ولَا أَحَدٌ بِالْبَلِيغِ رَشَانَا
ولَا أَحَدٌ بِالْحَكِيمِ اشْتِرَانَا
يَقُولُ مَنِ ارْتَادَ مَجْلِسَنَا:
(صَبَاحُ الْمُلُوكِ، أَبَيْتُمْ لِعَانًا)(١٠٣)
وكُلُّ مُرِيدٍ وَمُحْتَجِبٍ
وغَيْرِ مُرِيدٍ أَطَاعَ بَنَانَا(١٠٤)
وقَبْلَ الصَّغِيرِ؛ الْكَبِيرُ، إِذَا
نَطَقْنَا بِلَفْظَةِ "يَا"، يَتَفَانَى
سِنِينَ لِضَوْءٍ سَبَقْنَاهُمُ
مَدًى وَعَلَوْنَا السَّمَاءَ عَنَانَا(١٠٥)
تَهَدَّمَ سَقْفُ طُمُوحَاتِنَا
ويَسْبِقُ تَحْقِيقُنَا مُبْتَغَانَا
نَعِيشُ كَرَائِمَ في عِزَّةٍ
بِدَوْلَةِ شِعْرٍ وَذَمٌّ خَلَانَا(١٠٦)
إِذَا مَا بَغَى الْوَغْدُ نُهْدِرُ مِنْ
كَرَامَتِهِ؛ قَسْوَةً وَامْتِهَانَا
نَفُكُّ قُيُودَ عُصُورٍ مَضَتْ
ونُجْرِي لِفِكْرِ الذُّكُورِ الْخِتَانَا
فَلَا ذَكَرٌ طَالَ آخِرَنَا
ولَا رَجُلٌ مُدْرِكًا مُنْتَهَانَا
وذَلِكَ عَصْرُ الشَّواعِرِ قَدْ
غَدَا الشُّعَرَاءُ بِهِمْ مُسْتَهَانَا
رَأَيْتَ قَصَائِدَنَا طَفْلَةً،
عَقِيلَةَ مُجْتَمَعٍ وَهِجَانَا(١٠٧)
تُشَيِّدُ لِلْفَنِّ أَعْمِدَةً
وأَبْنِيَةً رَاسِخَاتٍ مِتَانَا(١٠٨)
وتَرْفَعُ في (مِنْفَ) أَهْرَامَهَا
وتُنْشِئُ فِي (طَيْسَفُونَ) إِوَانَا(١٠٩)
تَبَادِلُ مُرْهَفَ حِسٍّ هَوًى
تَفِيضُ لَهُ رِقَّةً وَحَنَانَا
وتَجْلِدُ إِحْسَاسَ ذِي غَلْظَةٍ
وتُبْدِي لِمُسْتَكْسِلٍ عُنْفُوَانَا
تُهِينُ وَتَقْرَأُ فَاتِحَةً
عَلَى مَنْ تَعَالَى عَلَيْهَا وَخَانَا
وفِي الْحَقِّ مَا خَشِيَتْ لَائِمًا
ومَا هَادَنَتْ في الصَّوَابِ هِدَانَا(١١٠)
تَحُجُّ نِيَاطُ الْقُلُوبِ لَهَا
وبَاذِخُهَا بِالْعَطَاءِ أَعَانَا
وعِنْدَ الْتِيَاحٍ تَرَى نَبْعَهَا
يُرِيقُ مُسَانَدَةً وَعِوَانَا(١١١)
كَأَنَّ الْجَمَاهِيرَ أَطْفَالُهَا،
تُدَلِّعُهُمْ في الِّلقَاءِ احْتِضَانَا
وللهِ يَا قِبْلَةَ الْمُشْتَهِي
تَنَعَّمُ ذَوَّاقَةٍ في قِرَانَا(١١٢)
ولله دَرُّ لِسَانٍ حَمَى
وأَمَّنَ في الشِّعْرِ سِحْرًا وَصَانَا
ودَرُّ قَصَائِدَ قَدْ عُرِضَتْ
لَنَا فَاصْطَفَيْنَا الْهَوَى وَاصْطَفَانَا
ودَرُّ حُلُولٍ لِوَحْيٍ إِذَا
تَشَمَّسَ في قَسَمَاتِ زُهَانَا(١١٣)
ودَرُّ نِهَايَةِ أُمْسِيَّةٍ
وحُرْقَةِ قَلْبٍ كَسِيرٍ بَكَانَا
ودَرُّ انْجِذَابِ الْقُلُوبِ إِذَا
قَرَيْنَا وَشَوْقُ الْوُجُوهِ قَرَانَا(١١٤)
مَتَحْنَا مِنَ الشَّهْدِ نَسْقِي بِهِ
فَلَا أَحَدٌ بِالْعَطَايَا سَقَانَا(١١٥)
ولَا أَحَدٌ حُلَّةَ الْفَضْلِ أَوْ
لُبَاسًا مِنَ الطَّيِّبَاتِ اكْتَسَانَا(١١٦)
ولَا أَحَدٌ قَطُّ عَايَرَنَا
ولَا الْمَنُّ حِينَ التَّبَاهِي كَسَانَا
ولَا نَأْمُلُ الْغَيْثَ مِنْ أَحَدٍ
سِوَى الْمُسْتَعَانِ؛ إِلَيْهِ حِدَانَا(١١٧)
حَوَيْنَا الْمَعَالِي وَمَا مُعْجَمٌ
غَزِيرُ مَعَالِي الصِّفَاتِ احْتَوَانَا
تُجَاهَ الْمُحِيطِ مَشَى صَيْتُنَا
ذِهَابًا إِيَابًا وَجَابَ (عُمَانَا)
وحَصَّنَنَا نُورُ إِيمَانِنَا
ومِنْ شَرِّ كَيْدِ الدَّوَاهِي رَقَانَا
نَثَرْنَا زُهُورَ قَصَائِدِنَا
ومَوْكِبُهَا الشَّرَفِيُّ رَعَانَا
وتَحْتَ حِرَاسَةِ أَشْعَارِنَا
سَعَيْنَا وَرَبُّ الْوُجُودِ حَمَانَا
طَوَيْنَا الطَّرِيقَ فَلَا رَجْعَةٌ
ولَا كَسَلُ الْخَامِلِينَ طَوَانَا
ولَا غَبَشُ الَّليْلِ أَوْقَفَنَا
ولَا الْمُسْتَحِيلُ عَلَى الْقَلْبِ رَانَا(١١٨)
وقَدْ يَئِسَ الْيَأْسُ مِنَّا وَقَدْ
تَوَارَى الْفُتُورُ وَغَابَ وَنَانَا(١١٩)
رَسَمْنَا الدُّرُوبَ لِمُسْتَرْشِدٍ
وشَرُّ الطَّرِيقِ تَوَلَّى وَبَانَا(١٢٠)
ولَمْ نَتَجَشَّمْ عَنَاءً وَلَمْ
نُصَادِفْ خَلَالَ الْمَسِيرِ اكْتِيَانَا(١٢١)
بِسَيْلٍ مِنَ الْفَخْرِ طَالَ سَمَا
ونَارِ هِجَاءٍ هُمَا أَيْهَمَانَا(١٢٢)
وعَدْنَاكَ يَا ذَكَرَ النَّحْلِ أَنْ
تُبَادَ وُيُسْقَى الْفَضَاءُ جَنَانَا(١٢٣)
سَنُرْسِلُ سَطْوَتَنَا حَفْلَةً
عَلَيْكَ وَنُطْلِقُهَا مَهْرَجَانَا
تَغَطْرَسْتَ حِينَ سَبَتْكَ الْمُنَى
وقَلَّدْتَ في خَيْبَةٍ شَقْلَبَانَا(١٢٤)
ومَا مَلَكَ المُتَغَطْرِسُ مِنْ
صِفَاتِ الذُّكُورَةِ إِلَا لِسَانَا
تَكَلَّفْتَ بِالْوَهْمِ مَعْرَكَةً
تَسُنُّ بِهَا لِلطِّعَانِ سِنَانَا(١٢٥)
ورِبْحُكَ مِنْ خَوْضِهَا وَصْمَةٌ
وقَدْ صَارَ شِعْرُكَ سَيْفًا دَدَانَا(١٢٦)
سَيَسْتَبْرِئُ الشِّعْرُ مِنْكَ وَلَوْ
تَحَوَّلْتَ في (سِيرْكِهِ) (بَهْلَوَانَا)
ولَوْ صِرْتَ بِالْحِذْقِ أُعْجُوبَةً
وقِرْدًا عَلَى حَبْلِهِ تَيَّقَانَا(١٢٧)
سَتَنْأَى بَنَاتُ قَصَائِدِهِ
ولَوْ صِرْتَ في عُرْفِهَا (دُونْجوَانَا)(١٢٨)
عَوَيْتَ وَقَدْ قِيلَ: (صَبَّرَنَا
إِلَهُ الْوُجُودِ عَلَى مَا ابْتَلَانَا)
عَلَى مَا تَقُولُ الزَّمَانُ عَفَى
فَنَفِّذْ لِنَبْعِ الشُّعُورِ الصِّيَانَا(١٢٩)
مُرِيدُوكَ مِنْ قَبْلِ إِلْقَائِهِ
لِأَعْصَابِهِمْ سَأَلُوكَ الضَّمَانَا
تَشَبَّثْتَ بِالنَّحْسِ في الدَّربِ لَا
يَصِيحُ غُرَابُكَ إِلَّا اقْتَرَانَا
مَلَأتَ خُطَاكَ بِصَخْرِ الْقِلَى
وآثَرْتَ بِالْهَيَجَانِ حِرَانَا(١٣٠)
وكُلُّ رَفِيقِ غُرُورٍ كَبَتْ
خُطَاهُ بِوَحْلِ الْخَوَاءِ ارْتِهَانَا(١٣١)
فَهَرِقْ عَلَى جَمْرِكَ الْمَاءَ لَا
تُهَرِّقْ أَوَانَ الشِّقاقِ احْتِقَانَا(١٣٢)
أَسَاءَ إِلَى نَفْسِهِ مَنْ أَوَى
مَغَارَةَ دَاءِ الْغُرُورِ وَشَانَا
وأَيْنَ مُرُوءَةُ ذِي صَلَفٍ
غَدَا أُكْذُبَانًا بِهِ بَغْبَغَانَا
إِذَا عُدِمَ الْأَنْقِياءُ فَلَا
تُصَادِقْ طُفَيْلًا لَئِيمًا جَبَانَا
شَفَيْنَا الْغَلِيلَ بِأَفْوَاهِنَا
ورُبَّ انْتِقَامٍ مُذِلٍّ شَفَانَا
ونَحْنُ الصَّبَاحُ الْحَلِيبُ فَإِنْ
جَنَحْتَ لِحِفْظٍ فَنَحْنُ الْأُرَانَى(١٣٣)
أَرَاكَ عَمِيتَ؛ خِلَافًا لَنَا،
فَخُذْ مِنْ أَصَابِيحِنَا (بَرْطَمَانَا)
إِذَا رَاوَدَ الْمَكْرُ مُسْتَكْبِرًا
فَدِيَّتُهُ حَمْلُنَا صَوْلَجَانَا
ولَيْسَ التَّوَقُّحُ مِهْنَتَنَا
ومَا نَعْرَةُ الْكِبْرِ مِنْ مُشْتَهَانَا
فَلَا جَاهُنَا الْمَلَكِيُّ غَوَى
ولَا مَنْصِبُ الْحُكَمَاءِ ازْدَهَانَا(١٣٤)
إِذَا دَارَتِ الشَّهَوَاتُ بِنَا
بِغَيْرِ رَقِيبٍ قَتَلْنَا شُهَانَا(١٣٥)
ومَا لِي مِنَ الْوَقْتِ مُتَّسَعٌ
لِإِمَّعَةٍ يَشْتَهِي أَنْ يُهَانَا
ومَا شَبَّ دَوْرِي كَشَاعِرَةٍ
لِأَهْجُوَ ذَا أَوْ أَذِلَّ فُلَانَا
مَلَكْنَا الْكَلَامَ وَلَوْ لَمْ نَقُلْ
سِوَى مَا هُجِيتَ بِهِ لَكَفَانَا