يا حادي الشوق إن القلب يبكيها
ولا يرى في دياري غير ماضيها
يا حادي الشوق إن الدار موحشة
وأظلمت بعد أحبابي لياليها
سبعون عاما من الذكرى تؤرقني
كأنها صفحات بتُّ أطويها
جمر الغضا في حنايا القلب يشعله
والعين تسكب ذكرى من مآقيها
سبعون عاما كطيف مر في أفقي
لم يبق منها سوى حب يناجيها
أكاد ألمحها في كل زاوية
ونبضها في فؤادي كاد يحييها
رفيقة الدرب يا أحلام ذاكرتي
يا قصة الحب في قلبي وحاديها
رحلتِ عني وكنت الضوء في بصري
واليوم أظلم في عيني دراريها
كانت سريرك أنسْاٌ حين أقصدها
واليوم خاوية تبكي حواشيها
وكل شيء له ذكرى مؤرقة
كأنما كل شيء بات يرثيها
ناديتها ويقيني أنها رحلت
لكنني في نداءاتي أسميها
صار اسمها مثل أنفاسي أردده
لعله لجراحاتي يداويها
وصوتها لو يواتيني فأسمعه
أشهى إليّ من الدنيا وما فيها
يا دار أين التي أحببتها زمناً
وصغت منها زهوراً في أقاحيها
وكنت ظلاً وأنساماً معطرة
وكنتُ من لفحاتِ الشمس أحميها
وكنتُ للزهرِ أرضاً خصبة وندى
وكنتُ عذباً فراتاً حين أسقيها
يا دار كانت هنا واليوم لا خبر
عنها سوى ذكرياتٍ من أمانيها
قالت وداعاً لقد شدوا رواحلهم
فقد دعاها بأمر الله داعيها
أوّاه يا دارُ أشجاني مبعثرةٌ
فمن يسلي شجاها أو يواسيها
لو كنتُ أملك عمري كنتُ أقسمه
أو أنني من دواهي الدهر أفديها
قالوا قديماً وبعض الشعر أمثلةٌ
تذوبُ نفسي حنيناً في قوافيها
(لا يعرف الشوقَ إلا من يكابده
ولا الصبابة إلا من يعانيها
لا يسهر الليل إلا من بهِ ألمٌ
لا تحرقُ النار إلا رجل واطيها
روح المحبِ على الأحكام صابرةٌ
لعل مسقمها يوماً يداويها)