حجزت في مركب الأشواق تذكرتي
لما رأيت بقايا الأمس يا أبتي
جرح تجدده الأيام نزَّ دماً
كأنما كان مزروعاً بذاكرتي
سبع شداد وما غاض الحنين لكم
ولا تراخت عن التحليق أجنحتي
أكاد أطوي سنين البعد في لهف
أنسى بأن هبوب الريح من جهتي
أفلسف البعد والماضي وحاضرنا
وينطوي القلب في أحضان فلسفتي
وأطرح الشوق آهات وأسئلة
حتى أذوب بآهاتي وأسئلتي
في كل شيء أرى الآثار ناطقة
فتستثير أحاسيسي وعاطفتي
واليوم ضج نداء في دواخلنا
تيبست منه أناتي على شفتي
يقول والحب ملء الصوت، يا ولدي
هذي سريري وإبريقي ومنسأتي
ذاك المصلى فكم سرٍ أبوح به
وكم تعالت من المحراب أدعيتي
وذاك حوض شجيراتي وتربتها
سقيتها فتعالت منه سنبلتي
وتلك حراثتي للبذل شاهدة
وهاهنا صوت ماطوري ومركبتي
كان الهواء بأنفاسي أعطره
لأنه فاح من قلبي ومن رئتي
وأزرع الخطو آثاراً موثقة
تبقى على الدهر في أنحاء مزرعتي
فكل شيء هنا جزء يمثلني
فإنها من شراييني وأوردتي
نعم أبي.. هاهنا التاريخ متكئاً
يوحي بحكمة أمثال وتجربة
عليه من هيبة الأعوام أردية
أمامها تنحني أوزان قافيتي
له الجلالة في أبهى مشاهدها
تزري بأبلغ تشبيهي وتوريتي
نعم أبي.. كل غصن في حدائقها
يحكي تفاصيل ما تخفيه حنجرتي
والماء ينقل نبض الحب في لغة
مفهومة اللفظ بين القمح والذرة
وللجدار تراتيل منغمة
كأنها من أحاسيسي ومن لغتي
أبي.. أتيت أداوي جرح عاطفتي
بأحرف من أحاديثي ودندنتي
سافرت فوق بساط الحرف محتبياً
تقودني في فضاء الله أخيلتي
فلا شفيت فؤادي إثر دندنتي
ولا قفلت بأقلامي ومحبرتي
يمضي الزمان ورأسي مائل بيدي
وما تزال دموعي عند بسملتي
كأنني في فضاء لست أدركه
فقدت في زحمة الأيام بوصلتي
أو فيلسوف توارى خلف فكرته
فلا أضاءت له درباً ولا خبتِ
كأنما الكرة الأرضية انطمست
وصرتَ وحدك آفاقي وخارطتي
سافرتُ في الزمن الماضي تصاحبني
ذكرى حبيبي على جدران مدرستي
رأيت في (الصالحي) مبنىً تناهبه
مَرُّ السنين، وعاثت فيه بالعَنَتِ
رأيت خطاً على الجدران، ذكرني
بخطه، كان يرعى كل موهبة
وكان أستاذ أجيال يعلمهم
وقد بدأت به عنوان ملحمتي
بدأت أخطو صعوداً وهو يحرسني
يكون ميمنتي حيناً وميسرتي
هنا وقعت فواساني وحفزني
هنا ارتقيت فصاغ الكون أبهتي
هنا لعبت وأستاذي يضاحكني
هنا اكتسبت على توجيهه ثقتي
هنا رسمت لأحلامي مباهجها
وصغت أجمل أهدافي وأمنيتي
أواه أواه يا المبنى وساحته
أما ذكرت صبياً فيه من صفتي
أما ذكرت صبياً هادئاً لبقاً
يكاد في طوله يدنو لخاصرتي
يقول لا أبتغي حرب الصغار ولا
أثير معركة ليست بمعركتي
يلهو بصمتٍ وإن حانت رياضته
تراه يلهو مع الصبيان بالكرة
أواه يا زمناً هب النسيم له
متى حملتُ من الأوطان أمتعتي
متى رحلتُ بلا حادٍ يودعني
متى تقضت على الأعتاب مرحلتي
كأنها لمحة من برق غادية
سرت بليلٍ، فهاجت فيه وسوستي
وهكذا الدهر فالأيام أقنعة
تمضي الليالي فتهوي بعض أقنعتي