لم تر الغربةَ في وجهي
ولي رسمٌ بعينيها
طريٌّ ما تغيَّرْ
آمنٌ في مطرحٍ لا يعتريهْ
ما اعترى وجهي
الذي جارت عليهِ
دمغةُ العمر السفيهْ
كيف - قربي - لا تَرى
ما زوَّر العمرُ وحفَّرْ،
كيف مرَّ العمرُ من بعدي
وما مرَّ،
فظلَّتْ طفلةَ الأمس وأصغرْ
تغزل الرسمَ على وجهي،
وتحكي ما حكته لي مِرَارْ
عن صبيٍّ غصَّ بالدمعةِ
في مقهى المطارْ
«غِبتَ عنِّي،
والثواني مرضتْ
ماتت على قلبي
فما دار النَّهارْ،
ليلنا في الأرْزِ من دهرٍ تُراهُ
أم تُراهُ البارحهْ؟
صدرك الطيِّبُ
نفسُ الدفء والعنفِ
ونفس الرائحهْ
وجهك الأسمرُ»
- أدري أنّ لي وجهًا طريّا
أسمرًا لا يعتريهْ
ما اعترى وجهي
الذي جارت عليهِ
دمغةُ العمر السفيهْ
وجهيَ المنسوج من شتَّى الوجوهْ
وجَه من راح يتيهْ
- سجينٌ في قطار
مُرَّةٌ ليلتُه الأولى
ومُرٌّ يومُه الأولُ
في أرضٍ غريبهْ
مُرِّةً كانت لياليه الرتيبه
طالما عضَّ على الجوعِ
على الشهوة حرَّى
وانطوى يعلكِ ذكرى
يمسحُ الغبرةَ عن أمتعةٍ مِلءَ الحقيبه
حجرٌ تحمله الدُوَّامة الحرَّى،
سجينٌ في قطارْ
ما درى ما نكهةُ الشمسِ،
وما طيبُ الغبارْ
ورَشَاشُ الملح في ريح البحارْ
من أسابيعَ وفي غرفتهِ
تلك الكئيبه
تأكل الغبرةُ أشياءَ الحقيبه
تأكلُ الوجهَ الذي خلَّفه
لمَّا تعرَّى
ومضى وجهًا طريّاً
ما له أمسٌ وذكرى
- مع الغجر
مُن تُرى يحتلُّ ذاك الفندق الريفيَّ
عُرسُ الجنِّ فيه مَحرقهْ!
لهبُ الرقصِ
ورقصٌ في اللهبْ
والتعبْ؟
مَنْ تُرى يتعبُ مِنْ
لينِ الزنود المُحرقه
من تُرى يرتاحُ في حُمَّى السريرْ!
صاحِ «هذا الكأسُ لي
من أهرقه؟»
ضحكتْ
«ثوبي الدمشقيُّ الحريرْ
لست أدري، لم أسل من مزَّقهْ»
أتقن الدوخةَ من خَصْرٍ لخصرٍ
عاد من عُرس الغجرْ
دمغةٌ في وجههِ،
في دمهِ شلاّل نارٍ
وعلى قمصانه ألفُ أثرْ
موجةٌ واحدةٌ في دمهِ
في زوغة الشمسِ
وحمّى المعدن المصهورِ
في البركان، في وهج الثمارْ
موجةٌ تغزلُ في المرج فراشاتٍ
وتغفو في خوابي الخمرِ
تغفو في قوارير البَهارْ،
موجةٌ فوّرها في دمه
عرسُ الغجرْ
عاد منه ما له ذاكرةٌ
تُحصي الصورْ
عمرُه ثانيةٌ عبر الثواني
يتلقّاها، وينسى ما عبرْ
عمره عمرُ الغجرْ
وله وجهُ الغجرْ
وجهُ من تبصقُه الدَّوامة الحرَّى
فيرسو في المواني
ومحطاتِ القطارْ
لِبَنَات «البار» ما في جيبهِ
ضحكةٌ
حشرجةٌ خلف الستارْ
وجهُ من يتعب من نارٍ
فيرتاح لنارْ
- بعد الحمّى
وجهُ من يصحو من الحمّى
فراغٌ، شاشةٌ ترتجُّ،
عينٌ مطفأه،
وصريرُ المدفأه
- جنّة الضجر
وجهُ ذاك الطّالبِ القاسي
على أعصاب عينٍ متعبه
في زوايا متحفٍ، في مكتبه
وجهُهُ يعرقُ مصلوبًا
على سِفْرٍ عتيقْ،
وعلى صمت الصورْ
ووجوهٍ من حجرْ،
ثم يرتاح إلى الصمت العريقْ
حيث لا عمرٌ
يبوخُ اللونُ فيه والبريقْ