سل الدهر ما للدهر بالرزء يفجع
ففي كل يوم لي صديق مودع
وفي كل يوم أنةٌ إثر راحلٍ
وكم موجعٍ يشجيه بالبث مودع
طوى البين ميمون النقيبة ماجداً
له الحسب الوضاح والفضل أجمع
وقد بقيت من بعد حكمتَ لوعةٌ
تشب وإن الشرق أقتم أوضع
تمر به الأحزان نكباء زعزعاً
وهل غيرها في الأرض نكباء زعزع
عيون بني لبنان مثل رعونه
تسح ويحدوها الأسى والتفجع
قد استبقت منهم ومنه سخيةً
فما مدمعٌ إلا وباراه منبع
فوا لهفي إن ترهق الدار وحشةٌ
ويقفر روضٌ ناضر الوشي ممرع
وتحبط آمال وتهمد همةٌ
ويخفت صوت كان بالحق يصدع
أيفتح فاه القبر قبل أوانه
ويغرب بدرٌ فيه ما كاد يطلع
شهدت له الحفل الجميع كأنه
من البحر موجٌ زاخرٌ يتلفع
تدفق من أوعاره وسهوله
فما بخلت أرضٌ ولا ضن مربع
تصايح فيه النادبون فصارخٌ
يضج وملهوفٌ عليه يرجع
فأدركت ما للفضل في الناس من هوىً
وكيف يضم الحب شعباً ويجمع
وإن نفوس الخلق حذو صعيدهم
فيحصد منها المرء ما المرء يزرع
تمثل لي لبنان فيه وإنه
لأصدق برهان عليه وأسطع
فمن مائه العذب الفرات خصاله
ومن ركنه السامي العلى والترفع
ومن جوه الصافي صفاء ضميره
ومن صخره الصلد الثبات الممنع
ومن أرزه الباقي على الدهر مجده
ومن زهره الذكر الذي يتضوع
وإن نجيباً صورةٌ منه حيةٌ
أخٌ عن أخٍ والنبل للنبل يتبع
فما انهدم البيت الذي هو ركنه
ولا انطفأ النور الذي منه يلمع
أعزِّي التي لم ينسف الثكل نفسها
وتؤمن أن الصبر في الثكل أنجع
مقنعةٌ تأوي الخدور وإنها
لتأنف أن الأنف في الرزء يجدع
فقلت لنفسي ما الرجولة صورةً
وكم صورٍ تخفي اليقين وتخدع
ورب رجالٍ والرجولة حولهم
تصيح بهم أن أسرعوا وتقنعوا
فيا قوم مهلاً إن في الموت عبرةً
وما الموت بالخطب الذي منه نجزع
وما مات من يحييه ذكر مخلد
وبين يديكم شاهدٌ منه مقنع
أخاف عليكم أن تشيع مقالةٌ
من السوء يفشيها الألد المشنع
يمثلكم في رقعةٍ من بلادكم
كما اختلف الثوب القديم المرقع
وإن بلاء الناس أن يغلب الهوى
فيسكت منطيق وتنطق ضفدع
خذوا عظةً ممن فقدتم وإن نكن
نجرع من فرط الأسى ما نجرع
فقد كان ذخراً للبلاد وموئلاً
إليه الشباب الحر في الروع يفزع
وكان وفياً لا يزن بريبةٍ
وكان أبياً لا يذل ويخنع
له الله من ناءٍ عن الدار حاضرٍ
فكل مكان منه ريان مترع
وإن له في الخالدين مكانه
فلم يخل في الدنيا ولا الخلد موضعُ