تخطَّ إلى المحتوى

تضيق بها ذرعا جيوش جحافل

الطويل

٤٤ بيت

الحكمة

تَضيقُ بِها ذَرعاً جُيوشٌ جَحافِلُ

مُساجَلَتي في كُلِّ حَربٍ تُقاتِلُ

أَرى الشِّعرَ ميزانَ العُقولِ وَإِنَّهُ

لِما خَطَّهُ فِكري بَصيرٌ وَناقِلُ

بَنَيتُ مِنَ الأَمجَادِ صَرحاً مُمَجَّداً

تَقاصَرَ عَن أَدنَى قَصَاهُ العَواذِلُ

كأنَّ كَلامي مِن شآبيبَ أَيقَظَت

فُؤادَ فَتاةٍ كالأَساطيرِ هائِلُ

إِذَا امتَثَلَت نَحوي تَبَيَّنَ رَسمُها

عَصاةُ نَباتٍ لِلهَواءِ تُمايلُ

نَطَقتُ لَها وَالصَّخرُ يَنطِقُ عِندَها

بِأَعذَبِ أَبياتٍ وَنَفسي تُداخِلُ

فَداكِ فُؤادي وَالهِلالُ وَفُلكُهُ

وَإِنّي لِما تَبغينَهُ الآنَ فاعِلُ

وَمُستَشعِرٌ يَنوي هِجائي وَإِنَّني

رَأَيتُ القَوافي في يَدَيهِ تُناضِلُ

فَقُلتُ بِنَفسي هَل أَقومُ بِهَجوِهِ؟

وَبَاشَرتُ فَوراً وَالسَّماءُ تُكابِلُ

سأَسري بِهِ قَولاً عَظيماً لِمِثلِهِ

قَوافٍ طَواليعٌ لَعَلَّ تُعامِلُ

يَظُنُّ بِأَنَّ الشِّعرَ مِلكُ يَمينِهِ

وَلَيسَ إِلى نَظمِ الرَّسائِلِ واصِلُ

إِذا نَطَقَ الأَشعارَ جاءَت رَكيكَةً

وَكُلُّ بِنَاءٍ قامَ فِيهِ لَمائِلُ

فَلا نَفعَ في قَولٍ بِغَيرِ رَزانَةٍ

تَمادَت بِهِ لِلعَالَمِينَ طَوائِلُ

وَيَفخَرُ في أَمرٍ بَعيدٍ مَنَالُهُ

كَما فَخرُ سَيفٍ مَتنُهُ مُتآكِلُ

فَمُت يا عدوّي لَيسَ شِعرُكَ نائِلي

وَقُل ما تَشَاءُ القَولُ عِندَكَ ثامِلُ

مَدَحتَ طِباعَ النّاسِ حينَ نَبَذتَها

وَكُلُّ سَفيهٍ عِندَ هَجوِكَ كامِلُ

وَحينَ انتَهى خَاطَبتُ نَفسي مُجَدَّداً

أَتَهجُوهُ فِعلًا؟ إِنَّ هَجوَكَ باطِلُ!

وَمَهلاً تَذَكَّر أَنَّ شِعرَكَ مُنتَهٍ

وَأَيُّ صَديقٍ في جِوارِكَ راحِلُ

تَذَكَّر بِأَنَّ الفَخرَ لَيسَ بِدائِمٍ

فَلَم يَبقَ مِن قَولٍ وَلَم يَبقَ قائِلُ

يَسوقُ لَنا الأَقدارَ رَبٌّ بِأمرِهِ

وَيَعلَمُ ما تَأتي وَنَحنُ جَواهِلُ

وَإِن رُمتُ فَخراً فَالمَفاخِرُ كُلُّها

لَدَيَّ وَأُعطيكُم دَليلاً يُماثِلُ

فَإِنّا لَقَومٌ دُونَنا كُلُّ سَيّدٍ

وَكُلُّ كَريمٍ لِلكَرامَةِ حامِلُ

وَمِن حاتِمِ الطّائيِّ كانَ افتِخارُنا

إِلى رُتَبٍ قَد جاوَرَتها مَحافِلُ

فَما الكَونُ إِلّا نَقلَةٌ بَعدَ نَقلَةٍ

وَما نَحنُ إِلّا مَوجَةٌ وَسَواحِلُ

سَمَونا بِفَضلِ اللَّهِ عَن كُلِّ ناقِصٍ

وَكُلُّ فَخارٍ دُونَ فَضلِهِ آفِلُ

وَما العَقلُ إِلّا زِقَّةٌ ضاعَ أَصلُها

وَنَحنُ لَها في التّائِهينَ هَياكِلُ

نَظُنُّ بِأَنَّا فِي الحَياةِ رَواقِدٌ

وَما نَحنُ إِلّا لِلقُبُورِ رَواحِلُ

بَصُرتُ بِما لَم يُبصِرِ القَومُ سابِقاً

فَعَقليَ في لَيلِ الحَقيقَةِ سائِلُ

وَقَد أَغتَدي وَالدّودُ يأْكُلُ مُقلَتي

وَأَهلي لِمَوتي حالُهُم مُتَثاقِلُ

يَسيرونَ بي لِلأَرضِ في غَيرِ مَسكَنٍ

مُجاوِرُني في الرَّمسِ طِفلٌ وَكاهِلُ

وَكُفِّنتُ ثَوباً أَبيَضاً فيهِ مَفخَري

دُفِنتُ وَحُلَّت عَن يَدَيَّ الأَنامِلُ

أَذُبُّ الأَفاعي الغائِراتِ مُحاوِلاً

وَلا شَيءَ غَيرَ المُقلَتَينِ يُحاوِلُ

وَلا شَيءَ غَيرَ التُّربِ حَولي يَغُبُّني

وَأَصحو وَإِنّي مَيّتٌ وَأُجادِلُ

وَزالَ جَمالُ الجِلدِ ثُمَّ سَيَختَفي

وَتَذهَبُ أَعضائي وَتَبلى المَفاصِلُ

أُنادي جَميعَ النّاسِ وَسطَ قُبورِهِم

بِذَلِكَ لَم تَسرِ إِليَّ القَبائِلُ

وَما ليَ في ظِلِّ المَقابِرِ مؤنِسٌ

سِوى صالِحِ الأَعمالِ وَالعُمرُ خَاذِلُ

أَما مِن خَليلٍ مَرَّ فَوقَ دُهامَتي

يُشارِكُني صَمتاً لَعَلَّ يُزاوِلُ

أَراهُ عَلى قَبري يَخُطُّ مَواجِعاً

وَدَمعُهُ هَتّانٌ وَقَلبُهُ ثاكِلُ

وقَد كُنتُ يَوماً بَاكِياً فَقدَ إِخوَتِي

أَبيّاً وَظَنّي أَنَّ عَيشيَ طائِلُ

تَزَوَّد مِنَ التَّقوى فإِنَّكَ راحِلُ

وَإِن تَرحَلِ الأَجسادُ تَبقَ الخَصائِلُ

وَدَع عَنكَ مَدحَ النّاسِ أَو ذَمَّ غَيرِهِم

فَكُلُّ الَّذي فَوقَ التُّرابِ لَزائِلُ

فَلا تَغتَرِر بِالدَّهرِ إِنَّ خُطوبَهُ

تَدورُ عَلى هامِ الرِّجالِ زَلازِلُ

إِذا أَقبَلَت بِالنّاسِ يَوماً تُخاتِلُ

وَإِن أَدبَرَت فالحُزنُ مِنها سَلاسِلُ

فَطوبى لِعَبدٍ يَسجُدُ اللَّيلَ كُلَّهُ

وَدَمعُ العُيونِ الجارياتِ مواصِلُ