أقمتُ على دربِ الفراقِ كأنني
أسيرُ خطى الأيامِ يتبعني الصبرُ
رأيتُ الليالي بعد بُعدكِ موحشًا
كأنَّ سناها في المآقي له قبرُ
تمرُّ الرياحُ السودُ فوق خواطري
فأحسبُ أنَّ الشوقَ في صدرها جمرُ
أحادثُ قلبي عنكِ ليلًا فيرتجي
رجوعًا ولكنَّ الرجاءَ له كدرُ
أبيتُ طريحَ الذكرِ والليلُ شاهدٌ
على دمعِ عينٍ في محاجرها بحرُ
إذا لاحَ برقٌ في السماءِ توهَّمتُ
بأنَّ سناهُ من محيّاكِ قد يسرُ
وإن هبَّ نسّامُ المساءِ تخيَّلتُ
بأنَّ شذاهُ من عبيركِ قد نثرُ
أمرُّ بدارٍ كنتِ فيها فأرتجي
حديثَ جدارٍ أو يجيبني الحجرُ
فإن سألوني: كيف حالُك بعدهم؟
أجبتُ: كسيرُ القلبِ يثقلهُ الذكرُ
تطاولَ ليلُ البينِ حتى كأنني
على جفنِ دمعٍ لا يفارقهُ السهرُ
أكابدُ شوقًا لو يذوبُ له الحصى
لأضحى ترابُ الأرضِ يملؤهُ العطرُ
أرى الناسَ تمضي في مسالكِ عيشها
وقلبي بأسلاكِ الحنينِ له أسرُ
فإن قيلَ: سلِّ النفسَ عنها ترفُّعًا
فكيفَ وقلبُ العاشقينَ له قهرُ
وإن طالَ دربي في الفراقِ فإنني
على عهدِ ذاك الحبِّ ما خفقَ الصدرُ
أحاولُ نسيانًا فتغلبُ مهجتي
ويغلبني من ذكركِ العذبِ فكرُ
كأنَّكِ في روحي مقيمٌ حضورُهُ
وإن غبتِ عن عيني فذكركِ لي عمرُ
أرى طيفَكِ المألوفَ يمشي بخاطري
فأتبعهُ والقلبُ من شوقهِ حُرُّ
فإن عدتِ يومًا والسنينُ تباعدتْ
فقلبي كما كان الوفاءُ به دهرُ
وإن لم تعودي فالفراقُ حكايةٌ
سيحكي بها عن عاشقٍ موجعٍ الدهرُ
فهذا فؤادي في وداعكِ شاهدٌ
بأنَّ الذي في مهجتي أبدًا جمرُ