بريقٌ بِأَعْلَى الأَبْرَقَيْنِ تأَلَّقَا
فَهاجَ الجَوَى بِالقَلْبِ مِنِّي وَأَعْلَقَا
أَضاءَ لَنا وَهْناً فَأَسْعَرَ وَمْضُهُ
ضِرامَ جَوَىً بَيْنَ الأَضالِعِ مُحْرِقَا
فَآهاً لَهُ مِنْ ضاحِكٍ مُتَبَسِّمٍ
أَطالَ الكَرَى مِنْ جَفْنِ عَيْنِي وَأَرَّقَا
يُجَدِّدُ لِي شَوْقاً قَدِيماً وَهكَذا ال
مَشُوقُ إِذا شامَ البُرُوقَ تَشَوَّقَا
أَرانِي وَأَسْما كُلَّما ازْدَدْتُ لَوْعَةً
تَقَطَّعَ عَنِّي وَصْلُها وَتَمَزَّقَا
دَعانِي إِلَيْها حُسْنُها وَجَمالُها
فَكُنْتُ مُجِيباً بِالمَسامِعِ مُطْرِقَا
وَلَوْلا هَواها ما وَقَفْتُ بِدِمْنَةٍ
وَلا كُنْتُ ناشَدْتُ الحَمامَ المُطَوَّقَا
أَبَى القَلْبُ لَمَّا عُجْتُهُ عَنْ وِدادِها
إِلَى الصَّبْرِ إِلاَّ أَنْ يَوَدَّ وَيَعْشَقَا
تَعَلَّقَها حُبًّا وَشَوْقاً وَلَمْ يَزَلْ
مَعَ الوَصْلِ وَالفُرْقَى بِها مُتَعَلِّقَا
فَما غَرَّبَتْ إِلاَّ وَغَرَّبَ عِنْدَها
وَلا شَرَّقَتْ إِلاَّ وَكانَ المُشَرِّقَا
مِنَ البِيضِ مااثَتْ بِفَضْلِ إِزارِها
عَلَى رِدْفِها المَرْكُومِ إِلاَّ تَفَتَّقَا
تَحَكَّمَ فِي خَلْخالِها كَعْبُ ساقِها
وَجاذَبَ ما تَحْتَ الإِزَارِ المُنَطَّقَا
دُجَىً مُدْلَهِمٌّ تَحْتَهُ البَدْرُ طالِعٌ
عَلَى غُصْنِ بانٍ فَوْقَ دِعْصٍ مِنَ النَّقَا
حَكَى رِيقُها فِي الطَّعْمِ ماءَ غَمامَةٍ
يُمازِجُ كافُوراً وَخَمْراً مُعَتَّقَا
بِها الشَّيْخُ يَحْظَى صَبْوَةً وَشَبِيبَةً
إِذا اشْتَمَّ مِنْها نَفْحَةً أَو تَنَشَّقا
وَأَوْرَقَ يَشْدُو غُدْوَةً وَمَدامِعِي
تُطِلُّ مِنَ الأَطْلالِ نُؤْياً وَأَوْرَقَا
يَنُوحُ وَمَرُّ الرِّيح يَجْرِي فَكُلَّما
تَعَلَّى بِهِ الغُصْنُ القَوِيمُ تَخَفَّقَا
بَكَى فَأَسالَ الدَّمْعَ مِنْ مَدْمَعِي فَما
كَفَفْتُ مَسِيلَ الدَّمْعِ إِلاَّ تَدَفَّقَا
أَرَى غَيْمَ آمالِي دَنَتْ وَتَراكَمَتْ
أَراعِيلُهُ وَانْفَضَّ عَنِّي وَما سَقَى
فَكَمْ عارِضٍ مِنْ غَيْثِهِ أُبْتُ خائِباً
وَإِنْ شِمْتُهُ لِي مُرْعِدَ المُزْنِ مُبْرِقَا
فَما رُمْتُ يَوْماً فَتْحَ بابِ مَطالِبٍ
وَعالَجْتُهُ لِلفَتْحِ إِلاَّ تَغَلَّقَا
وَلا كَفَّ عَنِّي الدَّهْرُ إِلاّ وَقَدْ سَطا
وَأَوْتَرَ لِي قَوْسَ الخُطُوبِ وَفَوَّقا
نَدِمْتُ عَلَى الغَيِّ الَّذِي فِي ارْتِكابِهِ
وَصُحْبَتِهِ قَدْ كُنْتُ لِلْعُمْرِ مُنْفِقَا
وَأَصْبَحْتُ مُذْ وَلَّى الشَّبابُ وَشَرْخُهُ
لِبِكْرِ المَلاهِي وَالتَّصابِي مُطَلِّقَا
وَلَوْلا الفَتَى الزَّاكِي فَلاحٌ لَما غَدا
وَلا راحَ بُؤْسِي شَمْلُهُ مُتَفَرِّقَا
حَبانِي بِما أَمَّلْتُهُ مِنْ رَغائِبٍ
وَأَسْمَنَ آمالِي لَدَيْهِ وَأَغْدَقَا
وَأَعْلَى مَحَلِّي فِي الأَنامِ وَراشَنِي
بِنائِلِهِ مِنْ بَعْدِ ما كُنْتُ كاللَّقَى
فَذاكَ الَّذِي دُونَ البَرِيَّةِ أَلْتَجِي
إِلَيْهِ إِذا فَحْلُ النَّوائِبِ شَقْشَقَا
مَلِيكٌ بِحُكْمِ العَدْلِ مِنْهُ عَلَى الوَرَى
تُدارُ بِكَفَّيْهِ السَّعادَةُ وَالشَّقَا
فَما خالَ مِنْ شُمِّ المَراتِبِ رُتْبَةً
سَمَتْ وَعَلَتْ إِلاَّ إِلَى سَمْكِها رَقَا
وَلا رامَ مِنْ صَعْبِ المَطالِبِ مَطْلَباً
وَحاوَلَهُ إِلاَّ وَكانَ المُوَفَّقَا
يَدِينُ لَهُ عَمْرُو بنُ هِنْدٍ وَتُبَّعٌ
وَقَيْصَرُ فِي العَلْيا وَكِسْرَى بنُ أَرْتَقَا
تَراهُ مِنَ المَرِّيخِ أَرْفَعَ رُتْبَةً
وَأَشْهَرَ مِنْ شَمْسِ النَّهارِ وَأَشْرَقَا
وَأَسْمَحَ مِنْ كَعْبِ بنِ مامَةَ راحَةً
وَأَفْصَحَ مِنْ سَحْبانَ لَفْظاً وَمَنْطِقا
كَفِيلٌ بِرِزْقِ اللهِ مِنْ بَيْتِ مالِهِ
لِسائِلِهِ إِنْ جاءَهُ مُتَرَزِّقَا
حُسامٌ يُبِيدُ الحادِثاتِ ذُبابُهُ
أَقامَ لَهُ التَّهْذِيبَ حَدًّا وَأَطْلَقَا
إِذا ما القَضا أَرْمَى بِهِ فِي مُلِمَّةٍ
سَطا فِي صُدُورِ المُشْكِلاتِ وَطَبَّقَا
فَلا تَحْكِيَنْ يَوْماً إِلَيْهِ امْرَءاً وَهَلْ
مُسِفٌّ يُبارِي فِي العُلُوِّ المُحَلِّقَا
أَأَشْرَفَ مَنْ فاهَتْ بِهِ أَلْسُنٌ وَمَنْ
بِهِ قَطَعَتْ فُتْلُ المَرافِقِ سَمْلَقَا
أَمِنَّا بِكَ الأَيَّامَ حَتَّى كأَنَّنا
أَخَذْنا مِنَ الأَيَّامِ عَهْداً وَمَوْثِقَا
وَإِنِّي أُثْنِي حَيْثُ سارَتْ رِكابُنا
عَلَيْكَ وَإِنْ نامَ الحَسُودُ وَلَقْلَقَا
وَأَشْكُرُ نُعْماكَ الَّتِي كادَ حاسِدِي
عَلَى نَيْلِها بِالرِّيقِ أَنْ يَتَشَرَّقَا
تَخَيَّرْتَنِي عَبْداً فَخِلْتُكَ لِي أَباً
يَرانِي بِعَيْنِ اللُّطْفِ وَالبِرِّ مُشْفِقا
وَدُمْ دامَ ما مُلِّكْتَهُ مِنْ مَمالِكٍ
وَدامَتْ لَكَ الدُّنْيا وَدامَ لَكَ البَقَا