عَلى شُرُفاتِ السُّهْدِ أَسْرَجْتُ قِنديلاً
وأَرْخَيْتُ من صَمْتِ الحَكايا مَواويلاً
أُطِلُّ على لَيْلٍ يَمُدُّ ظِلَّهُ بعيداً
كَغَرِقَ المَجدافُ في البَحرِ مَجهولاً
وَقَفتُ وكلُّ الكَوْنِ حولِي ساكِنٌ
فما ازْدَدْتُ إلا وَحشةً وذُهولاً
هنا والياسمينُ الغَضُّ يَشْهَدُ أننا
رَأينا النُّجومَ الزهرَ تَبكي قليلاً
تَمُرُّ نَسيماتُ الشِّتاءِ حَزينةً
فتَحْمِلُ عِطراً للرَّحيلِ ثقيلاً
وناجَيْتُ وَجْهَ البَدْرِ وهُوَ مسافرٌ
يُفَتِّشُ في الآفاقِ عن خِلاٍّ خَليلاً
تُعاتبُني الرِّيحُ الشَّرودُ إذا هَمَتْ
وتَطرُقُ باباً مُوصَداً مَقيلاً
فأسألها هل في الحَقائِبِ رِحلةٌ
تُعيدُ لنا ما ضاعَ حبّاً وتقبِيلًا
أُقَلِّبُ أوراقي فتَنْطِقُ بَصمةٌ
وتَرسُمُ في وَجْهِ الظلامِ مَراحيلاً
ويَبكي يَراعي حينَ يَسكُبُ حِبرَهُ
فَيَكْتُبُ شَرحاً للهَوى وتفصيلاً
وفِنْجانُ قَهْوَةٍ تَجَمَّدَ دِفؤُهُ
كَأنَّ على جَمْرِ انتظاري غَليلاً
تَزاحَمَتِ الذِّكرى على بَابِ خَاطري
فصار مَجازُ الحزنِ فيَّ دليلاً
أرى العمرَ مثلَ الغيمِ يَمضي كأنه
سرابٌ إذا رُمْنا إليه سَبِيلاً
يُطاردُنا الماضي بعِزِّ صُمودِنا
ويتركنا بينَ المَواجِعِ نزولاً
فيا لَيْلُ خَبِّرْنا أَيَنْفَدُ صَبْرُنا
أمِ الدَّهْرُ مثل السُّهْدِ صار طويلاً
هوَ الليلُ صُندوق الحكايا وخَزنه
يَصون حديثاً في الضلوعِ دخيلاً
وما الليلُ إلاّ مرآةٌ لنُفوسِنا
إذا بصَرَتْ في العاتِماتِ جميلاً
فما نحن في جَفْن المساءِ سوى صَدًى
يحاول في درب الحنين وُصولاً
نُطالِعُ سِترَ الغيبِ والظنُّ خائبٌ
ونرجو لأثقال الهُمومِ رَحِيلاً
فكم مِن كَفيفٍ قاده الشوق للمدى
وكَم مِن طَليقٍ قد أُصيبَ خمولاً
على هذه الشرفات ذابت مَلامحي
وصار فؤادي للأنين مثيلاً
سأبقى هنا حتى يَمُلَّ بي المدى
ويغزو بياض الفجر هذا الفُضولاً
فصبرٌ جميلٌ يا فؤادي على النوى
فللَّيل صُبحٌ لا يضلُّ سبيلاً
وسوف تعود الشمس تغسل همَّنا
وتُهدي لنا بعد العناء قُبُولاً