يَا وَيْحَ هَذَا الْفِرَاقِ مَا صَنَعَا
هَدَّتْ عُرَى الْوَصْلِ بَعْدَمَا جَمَعَا
وَيْحٌ لِهَذَا الْبِعَادِ إِذَا صَرَعَا
هَدَمَ سَقْفَ الْجَمْعِ لِغَدٍ انْقَطَعَا
مَنْ ذَاقَ كَأْسَ الْفِرَاقِ أَبْصَرَ فِي
أَيَّامِهِ غَمًّا وَهَمًّا كَانَ مُمْتَنِعَا
مَنْ لَمْ يَذُقْ حَرَّ الْهِيَّامِ كَوَى
جَوْفِي.. وَفِي الْأَحْشَاءِ اضْطَرَعَا
مَنْ لَمْ يَذُقْ كَأْسَ الشَّوْقِ فَإِنَّهُ
مَا ذَاقَ فِي الدُّنْيَا أَسَى الْوَجَعَا
مَنْ لَمْ يَذُقْ نَارَ الْعِشْقِ بِالْحَشَى
مَا أَبْصَرَ الْيَأْسَ بِالدُّجَى فَظِعَا
وَكُلُّ هَمٍّ فِي الْخُطُوبِ هَيِّنٌ
إِلَّا الْفِرَاقَ.. فَإِنَّهُ لِلْقَلْبِ فَجَعَا
كَمْ مِنْ مُحِبٍّ أَبْصَرَ الْأَحْبَابَ فِي
وَادِي التَّفَرُّقِ لَهُ مَوْطِنًا ضَرِعَا
وَكَمْ مِنْ عَاشِقٍ لِغِيَابِ الْأَحِبَّةِ
يَبْنِي عَلَى الْأَطْلَالِ مُرْتَفِعَا
وَكَمْ مِنْ مُحِبٍّ أَبْصَرَ الْأَحِبَّةَ
فِي وَادِي التَّفَرُّقِ بَاكِيًا جَزِعَا
وَكَمْ أَبْصَرَتْ عَيْنِي مُحِبًّا هَائِمًا
يَبْكِي الْفِرَاقَ.. وَلَا مِنْ فَزَعَا
وَكَمْ أَبْصَرَ الْقَلْبُ مُحِبًّا ذَائِبًا
يَبْنِي عَلَى الذِّكْرَى أَسًى يُشَيِّعَا
وَكَمْ ذُبْتُ فِي وَجْدِي وَغُرْبَتِي
حَتَّى غَدَوْتُ مُمَزَّقًا قِطَعَا
حَتَّى غَدَتِ الذِّكْرَى أَسًى لِمُهْجِهِ
يَبْنِي الْخَرِيفَ.. وَيَهْدِمُ الرَّبِيعَا
حَتَّى غَدَتِ الذِّكْرَى أَسًى أَبَدِيًّا
يَنْسُجُ فِي الرُّوحِ الْأَلَمَ الْوَضِعَا
حَتَّى غَدَتِ الذِّكْرَى سِيَاطًا
لِلْحَشَى تُلْهِبُ الْأَحْشَاءَ مُتَّسِعا
حَتَّى كَأَنَّ الْيَأْسَ فِي مُهْجِهِ
نَارًا تَلَظَّتْ فِي الْحَشَى وَلَعَا
حَتَّى غَدَوْتُ كَالْقَمَرِ فِي مَحَاقِهِ
يَبْكِي الْفِرَاقَ.. وَفِيهِ مَا رَجَعَا
هَذِي الدُّمُوعُ عَلَى الْخُدُودِ جَرَتْ
نَهْرًا.. وَفِي الْأَحْشَاءِ الْتِهَابًا دَعَا
هَذِي الدِّمَاءُ فِي الْقَلْبِ نَزَّفَتْ
مِثْلَ الْغَدِيرِ إِذَا هَمَى مِدْفَعَا
يَبْقَى الْفِرَاقُ غُصَّةً فِي مُهْجِ
الْقَوْمِ.. وَيَطْغَى الْأَلَمُ وَيُوقِعَا
يَبْقَى الْفِرَاقُ مَرَارَ كَأْسٍ عَلْقَمٍ
حَتَّى كَأَنَّ الْيَأْسَ قَدْ بَاتَ شَرَعَا
يَبْقَى الْفِرَاقُ سِيَاطَ مِحْنَتِهِ
تُلْهِبُ الْأَحْشَاءَ أَلَمًا يُشَبِّعَا
وَتَقَطَّعَتْ فِي مُهْجَتِي أَسْبَابِي
وَغَدَوْتُ مُمَزَّقًا قِطَعًا قِطَعَا
حَتَّى إِذَا أَبْصَرْتَ فِي حُسْنِ الْوَفِيِّ
هَذَا الْفِرَاقَ.. كَانَ مُرْتَدِعَا
وَالْقَلْبُ فِي غَمْرِ الْأَنِينِ مُحَطَّمٌ
يَبْنِي عَلَى الْأَحْلَامِ مَصْرَعَا
هَذِي الْخُطُوبُ مِحْنَتِي أَبَدًا
حَتَّى غَدَوْتُ مَعَ الْأَلَمِ مِتْعَا
كَمْ كَانَ فِي وَصْلِ الْأَحِبَّةِ مُتْعَةٌ
وَالْيَوْمَ أُبْصِرُ فِي الْفِرَاقِ وَدَعَا
الْقَلْبُ فِي شَوْقِ الْوِصَالِ مُمَزَّقٌ
وَالْهَجْرُ فِي الْأَحْشَاءِ قَدْ صَدَعَا
وَالْهَجْرُ نَارٌ فِي الْجَوَى تَسْتَعِرُ
حَتَّى كَوَى الْأَحْشَاءَ نَارٌ تَوَلَّعَا
كَمْ سَهِرْتُ اللَّيْلَ فِي أَسًى
حَتَّى طَلَعَتْ شُمُوسُهُ طَلَعَا
سَأَتْلُو عَلَى الْأَطْلَالِ أَنَّ مَحَبَّتِي
حَتَّى الْفَنَاءِ.. فِي الْخَفُوقِ تَسْعَى
يَبْكِي الْفُؤَادُ عَلَى مَحَبَّتِهِ
حَتَّى أَسَالَ مَدَامِعًا دَفَعَا
مَنْ كَانَ فِي وَصْلِ الْأَحِبَّةِ هَانِئًا
ذَاقَ التَّرْحَ فِي بِعَادِهِ تَبَعَا
يَا رَبِّي أَلْحِقْنِي بِأَحِبَّتِي
فَالْقُرْبُ حُسْنٌ.. وَالْقَطِيعَةُ بِدْعَا
حَتَّى أَرَى الْوَصْلَ فِي مَحَبَّتِهِمْ
وَأَرْتَوِي عِزًّا بِهَذَا الْمَرْتَعَا