وُلِدَ الْقَمَرُ فَاسْتَبْشَرَتْ أَنْفَاسُ مَجْرَتِهِ
وَمَالَتِ الْكَوْنُ فِي آفَاقِهَا طَرَبَا
هَزَّتْ رِيَاحُ صِبَاهُ الْغَيْمَ فَانْهَمَرَتْ
غَيْثًا يُبَارِكُ أَرْضًا أَيْنَمَا ذَهَبَا
وُلِدَ الْقَصِيدُ بِمَوْكِبِ الْأَحْلَامِ مُنْتَصِبًا
يَسْرِي عَلَى وَرَقِ الْأَزْمَانِ مُحْتَجِبَا
وَالْقَلْبُ يَنْبُضُ فِي أُفْقِ الْجَمَالِ دَمًا
حُبًّا تَفَجَّرَ فِي الْأَرْوَاحِ مُلْتَهِبَا
يَا مُعْجِزَ الْحُسْنِ، يَا سِرَّ الْمَدَى أَمَلًا
وَيَا وُرُودَ الْمُنَى فِي الْوَجْدِ مُنْتَخَبَا
أَتَيْتِ كَالْفَجْرِ يُغْرِي الْأَرْضَ مُبْتَسِمًا
وَيَسْكُبُ النُّورَ فِي الْأُفُقَيْنِ مُنْسَكِبَا
وُلِدْتِ يَا نَجْمَةَ الْأَكْوَانِ مِنْ قَمَرٍ
أَهْدَى السَّمَاءُ بِهِ لِلدَّرْبِ مَا وَهَبَا
وَجَاءَ صَوْتُكِ كَالْإِشْرَاقِ فِي فَلَكٍ
يُغَنِّي اللَّحْنَ لِلْأَنْسَامِ وَالطُّرُبَا
مُذْ جِئْتِ، غَيَّرْتِ التَّارِيخَ فِي زَمَنِي
وَأَلْهَمَ الْحُبُّ فِي شِعْرِي الَّذِي كَتَبَا
عَيْنَاكِ بَحْرَانِ مِنْ سِحْرٍ وَمَعْرِفَةٍ
وَمَوْجُهُمَا فِي دَمِي بِالْعِشْقِ قَدْ صَخَبَا
يَا مَنْ نَسَجْتِ لِيَ الْأَقْدَارُ مَقْدَمَكِ
كَالْعِطْرِ يَنْفُثُ فِي أَرْوَاحِنَا الطِّيبَا
شَمْسُكِ أَشْرَقْتِ فِي رُوحِي بِلَا حَذَرٍ
وَصِرْتُ أَتْبَعُهَا، فِي الْوَجْدِ مُرْتَقِبَا
مِنْ يَوْمِ مِيلَادِكِ الدُّنْيَا مُغَيَّرَةٌ
وَالزَّهْرُ أَبْهَى، وَصَوْتُ الطَّيْرِ بِهِّ عَجَّبَا
أَسْقَيْتِ أَيَّامِيَ الْأَفْرَاحَ مِنْ يَدِكِ
وَأَلْبَسْتِنِي مِنْ سُحُورِ الْحُسْنِ مَا صَبَّبَا
يَا وَاحَةَ الصَّبْرِ، يَا لُغْزَ الْحَيَاةِ هُنَا
وَيَا رَبِيعًا عَلَى أَحْلَامِنَا انْسَكَبَا
جَاءَ الْفَجْرُ يَحْكِي فِي جَبِينِهِ نُورًا
يَخُطُّ فِي السَّمْرِ أُسْطُورًا وَمَا كَتَبَا
عَانَقَتْهُ أُمُّهُ شَوْقًا وَقَدْ نَضَرَتْ
عَيْنَانِ مِنْ فَرَحٍ تَهْفُو لَهُ قُرُبَا
وَسَارَ فِي مَهْدِهِ الْكَوْنُ الَّذِي غَمَرَتْ
بَسَمَاتُهُ كُلَّ قَلْبٍ ضَاقَ أَوْ نَصَبَا
يَرْعَاهُ أَبٌ عَظِيمٌ كَانَ مُلْهِمَهُ
يُلَقِّنُ الْحُبَّ وَالْإِحْسَانَ وَالْأَدَبَا
خَطَا صِبَاهُ عَلَى دَرْبِ الْهُدَى فَرِحًا
كَأَنَّ فِي خُطُوَاتِ الطُّهْرِ مُنْتَسِبَا
وَكَانَ فِي عَيْنِهِ الْوَعْدُ الَّذِي صَدَقَتْ
أَيَّامُهُ فَغَدَا لِلْحَقِّ مُنْتَصِبَا
عَلَّمْتَهُ الدَّهْرُ أَنْ يَبْقَى عَلَى أَمَلٍ
حَتَّى إِذَا جَارَ لَا يَشْقَى وَلَا يَهَبَا
جَمَعْتِ فِيهِ السَّجَايَا مَا تَفَرَّقَ فِي
قُلُوبِ أَهْلِ النُّهَى إِنْ جَدَّتِ الطُّلَبَا
فَصَارَ نَجْمًا إِذَا مَا اللَّيْلُ أَظْلَمَنَا
أَضَاءَ فِي سُحْبِهِ الْإِيمَانُ وَالذَّهَبَا
وَحِينَ مَالَتْ بِهِ الْأَيَّامُ عَنْ جَدَلِهِ
أَعَادَ لِلْحُلْمِ صَوْتًا هَازِمًا الْكُرَبَا
يَصُوغُ مِنْ صَمْتِهِ أَنْغَامَ مَعْرِفَةٍ
تُحْيِي الْقُلُوبَ إِذَا مَا الْجَهْلُ قَدْ غَلَبَا
تَسْعَى خُطَاهُ إِلَى الْإِصْلَاحِ مَا وُجِدَتْ
حَتَّى يُعَمِّرَ فِي الْأَرْوَاحِ مَا خَرِبَا
لَمْ تَمْنَحِ الشَّمْسُ إِلَّا مَنْ يُضَاهِيهِ ضِيَا
وَقَدْ حَبَاهَا بِحُسْنِ الْعَزْمِ إِذْ حَسَبَا
كَانَ الْعَطَاءُ سَجِيَّاتٍ مُقَدَّسَةً
مَا غَابَ يَوْمًا وَلَا أَغْلَقْتَ مَطْلَبَا
إِنْ جَاءَ لِلْفَقْرِ أَبْوَابًا يُقَفِّلُهَا
أَوْ جَفَّ دَمْعُ الْبَرَايَا أَجْرَى السُّحُبَا
كَأَنَّهُ فِي الْعُلَا مِفْتَاحُ مَكْرُمَةٍ
إِنْ شَاءَ يَفْتَحُ لِلْآفَاقِ مَا حُجِبَا
يَمْضِي عَلَى الْحُلْمِ لَا يَخْشَى لَهُ عَثَرًا
وَإِنْ تَعَثَّرَ عَادَ الْعَزْمُ وَارْتَقَّبَا
يَرْعَى الصِّغَارَ وَيَحْمِي الشَّيْبَ فِي كَرَمٍ
حَتَّى غَدَوْا فِي ذِرَاهُ الْأَمْنَ وَالنَّسَبَا
وَيَغْرِسُ الْحُبَّ فِي الْأَرْوَاحِ مُبْتَسِمًا
حَتَّى غَدَتْ بَسْمَتُهُ مَأْوًى وَمُكْتَسَبَا
هَذِي حِكَايَتُهُ مِنْ مَوْلِدٍ غَسَقَتْ
نُجُومُهُ ثُمَّ سَارَتْ فِي الْعُلَا شُهُبَا
سَيَبْقَى اسْمُهُ فِي الدُّنْيَا مُعَلَّقَةً
كَالتَّاجِ يَحْمِي جَبِينَ الشَّمْسِ وَالسُّحُبَا
وَمَنْ يَسِرْ فِي دُرُوبِ الْخَيْرِ مُقْتَدِيًا
بِهِ ارْتَقَى فِي سَمَاءِ الْخُلْدِ وَانْتَسَبَا
سَلَامُ رُوحٍ عَلَيْهِ مَا تَهَامَسَتِ الْ
أَنْسَامُ فِي فَجْرِنَا أَوْ غَرَّدَ الطُّرُبَا
إِنْ كَانَ مِيلَادُكِ الْمَعْجُوبُ قَدْ سَكَنَتْ
بِهِ السَّمَاءُ، فَإِنِّي بِالْهَوَى هَبَّبَا
فَابْقَيْ هُنَا، يَا ضِيَاءَ الْعُمْرِ فِي نَفَسِي
وَيَا بُيُوتِي إِذَا مَا الْحُزْنُ قَدْ نَصَبَا
فَالْحُبُّ أَنْتِ، وَأَنْتِ النُّورُ فِي زَمَنِي
وَأَنْتِ مَا لَمْ يَجِدْ فِي الْحُلْمِ مَنْ كَتَبَا
يَا حُورَ دُنْيَانَا وَيَا سِحْرَ أُغْنِيَتِي
سَتَبْقَيْنَ فِي مُقَلِ الْأَشْوَاقِ مُنْتَحِبَا