ألا يا بُنيَّ اسمع حديثَ مُجرِّبٍ
سقى الدهرُ كأسًا بعد كأسٍ فأوعَرا
رأيتُ بني الدنيا قطيعًا مسيَّرًا
يُقادُ إلى الوهمِ المُزيَّنِ مُقهَرا
فلا تَمشِ خلفَ الصوتِ إن خابَ عقلُهُ
ولا تتّبعِ الآراءَ إن لبست مِسحَرا
وكن ثابتَ القيمِ التي لا تزعزعت
إذا الريحُ هبّت والقلوبُ تقهقرا
وإيّاكَ أن تُغريكَ أضواءُ زائفٍ
فكم أحرقت نارُ السرابِ مُبصِرا
تعلّمْ فنونَ الشكِّ قبل يقينِهم
ففي الشكِّ مفتاحُ العقولِ إذا انبرى
ولا تجعلِ الشاشاتِ ربًّا مُطاعَةً
تُسَيِّرُ فكركَ حيث شاءتْ وتفترى
ووازنْ بدينِ الله عقلَك دائمًا
فدينٌ بلا عقلٍ ضلالٌ مُحتَرى
وإن كَثُرَ الصُرّاخُ حولَكَ فانتحِ
طريقَ السكونِ ترى الحقيقةَ أزهرا
فكم صاحبٍ ظنّ الضجيجَ فضيلةً
وقد كان في الصمتِ الجليلِ مُبصِرا
ولا تطلبِ المجدَ السريعَ فإنّه
كسيفٍ من ورقٍ يزولُ مُكسَّرا
وخُذ من زمانِ الناسِ درسَ تروٍّ
فليسَ سريعُ الخطوِ دائمًا ظفِرا
وكن سيّدَ النفسِ التي إن أُغريت
أبتْ أن ترى إلا الصوابَ مُنَوَّرا
فما المرءُ إلا فكرُهُ وسلوكُهُ
إذا ضلّ فكرُ المرءِ ضاعَ وأعثَرا
وفي آخرِ القولِ الذي قلتُهُ لكُم
نجاةُ الفتى أن لا يكونَ مُسَخَّرا
فكن أنتَ ميزانَ الأمورِ بعقلِك
ولا تكنِ صدىً للريحِ إن مرّتْ هُدَرا