مهِّدْ لنفسِكَ حان البُعدُ والتَّلفُ
قبل انقضاء زمانٍ ما له خلَفُ
والناسُ في غفلةٍ والموتُ يجمعُهم
كلٌّ يعلِّل والأرواح تُختَطَف
العمرُ ينفدُ والأيام ذاهبةٌ
والطرْقُ شتَّى وسعيُ الناس مختلف
وناظرُ الطرْفِ مثلُ البدر مبتهجٌ
فرحانُ ما مسَّه سوءٌ ولا عصف
في دارِهم لم يروا بأسًا ولا ضررًا
وأُسكِنوا غرفًا من فوقها غرف
وقد جرَتْ لهمُ الأنهارُ فاطَّردتْ
وما أضرَّهمُ سكرٌ ولا نزف
وكلَّ يومٍ مضى أو ليلةٍ سلفَتْ
فيها النفوسُ إلى الآجال تزدلف
فالمرءُ ضيفٌ بدارٍ لا مقامَ لها
فيها الفجائعُ والرَّوعاتُ ترتدِف
فاذكرْ سبيلاً فظيعًا أنت سالكُه
ما عن وُرودِ حياضِ الموتِ مُنصرَف
واذكرْ تجرُّعَ كأسٍ أنت شاربُها
وأنت منجدلٌ من غمرةٍ دَنِف
والنفسُ في غمَرات الموت دانيةٌ
والقلبُ من تعبٍ والصدرُ مرتجِف
وأغمضوكَ حَيارى بين مكتئبٍ
وكاشحٍ عينُهُ مذهولةٌ تكِف
وغادروك بأطباق الثرى وغدَوْا
ما آنسوك ولا وافوا ولا صَرَفوا
عنك الشدائدَ بل خُلِّفْتَ مُنْجدلاً
فردًا وحيدًا وولَّى القوم وانصرفوا
بعسكرٍ فيه أهلُ الملْكِ قد خشعوا
أمسوا سواءً فلا كِبْرٌ ولا شرف
مُلقًى غريبًا وحيدًا والترابُ له
ممهَّدٌ في صعيد القبرِ ملتحِف
فاذكرْ مقامًا به الأملاكُ قد خشعَتْ
في مجمع الخَلْقِ فيه الذلُّ والشَّرف