تخطَّ إلى المحتوى

أأثر هنا أم خدعة البصر الساري

الطويل

٢٣ بيت

المتفرقات

أأثرٌ هنا؟ أم خدعةُ البصرِ الساري

بقايا خطىً ضاعت مع العمرِ والدارِ

وقفتُ، وفي صدري سؤالٌ معلّقٌ

لمن كان هذا الضوءُ؟ من مرَّ؟ من سارِ؟

مكانٌ تقادم، لا يُزارُ كأنّه

نسيٌّ، وريحُ الوقتِ تعبثُ بالآثارِ

تعاقبتِ الأعوامُ حتى تكسّرت

مراياه، وانطفأ الضجيجُ من الدارِ

وكانت هنا ضحكاتُ قومٍ، وألفةٌ

وكانت ليالٍ تُشعل الشوقَ بالنارِ

فهاجت سحاباتُ الشتاء كأنّها

جيادٌ تُغيرُ، والرعودُ لها ثارِ

فأمطرتِ الأرضَ التي مات نبضُها

فعادت تُنادي، وانشقّت الأسرارِ

نباتٌ بريٌّ، لا يُسمّى بسهولة

وحياةٌ تمشي بين صخرٍ وأشجارِ

وطيرٌ غريبٌ بات يسكن ظلّها

ووَحشٌ اتخذَ الصمتَ فيها شعارِ

فلما عرفتُ الدارَ، رغم شكوكِنا

انهارَ سدُّ الصبرِ، فانسابَ مدراري

وخاطبتها: يا دارُ، أين أحبتي؟

وأين التي كانت تُعلّمني الإصرارِ؟

هنا كنتُ شابًا لا يقيّدُ حلمَه

خوفٌ، ولا يحسبُ الخسارةَ بالمارِ

وهنا تعلّقَ قلبي بوجهٍ ناعمٍ

كأنّ الصباحَ اختارَهُ ليختارِ

فتاةٌ إذا مرّت خفَتَ الضجّةُ التي

تفاخرُ بالصوتِ العالي وبالإنكارِ

لها نظرةٌ، لو مرّت اليومَ عابدًا

لخانَ اعتكافَ العمرِ، وارتابَ في الدارِ

أحببتها سرًّا، وجهرًا، ولحظةً

وكنتُ إذا غاب الرقيبُ على حذارِ

أعدّ الخطى، وأسرقُ الوقتَ سرقةً

وأرجعُ مثقوبَ الفؤادِ بلا عارِ

قتلتني حبًّا، وما سلّت سكينَها

فمات الفتى حيًّا بغيرِ انتحارِ

سافرتُ في الأرضِ الطويلةِ باحثًا

عن اسمِها بين الجهاتِ والأمصارِ

فكم مرّةٍ قلتُ: لو أنّ المسافةَ

تُقاسُ بالأشواقِ لا بالأميالِ

ولو أنّ دارَ الحبّ أقربُ خطوةً

لكنتُ أوّلَ من يجيءُ بلا اعتذارِ

وها أنا أعودُ، لا كما كنتُ، لكن

ببعضي، وبالذكرى، وببعضِ دمارِ

وآخرُ قولي مثلُ أوّلِ وقفتي:

أأثرٌ هنا؟ أم خدعةُ البصرِ الساري؟