سقيتُ بها مُرًّا وكأس مُدامةِ
ونشْوايَ عينٌ إذ تجودُ بنظرةِ
وما هجرُها إلَّا عذابٌ ولذَّةٌ
فلا الحُبُّ حبٌّ إن يكُنْ دُونَ لذَّةِ
ومَنْ يهومن أضناهُ جُلَّ مَذلَّةٍ
طربتُ فإنَّ الحُبَّ خُلْدُ مذلَّةِ
رُضابُكِ شهدٌ من حُميَّاهُ ظامئٌ
فؤادي، فما جادَ الحبيبُ بقُبلةِ
رُنَيْنةُ ما حلَّتْ سواكِ بمُهجتي
فغيرُكِ ما هُمْ غيرُ أهواءِ شهوتي
فإن أرنُ يا نانا لغيرِكِ لامَني
فؤادي، وفورًا قد ألاقي منِيَّتي
أضحِّي الذي أبغي لنانا وأشتهي
فرُوحِي لها إذْ أحسَنَتْ أو أساءَتِ
أيا معشَرَ العُشَّاقِ إنِّي ربيبكُمْ
وأكَثرُ من عانى ربيبُ الشريعةِ
شريعةُ أشواق الهوى والذي رأى
الرَّدى ما رأى ما قد رأيتُ بمقلتي
وهذا الهوى مِلْكِي وبدرُ السَّماءِ من
شِيَاتِي وأحلامُ الغوانيَ نِعمَتي
شغلتِ كياني عن أداءِ فرائضٍ
وبعضُ الهوى فيهِ مِنَ البينِ ردَّتي
وبعضُ الهوى فيهِ منَ الوصلِ بهجتي
وبعثي وإيماني ببنتٍ تجلَّتِ
مُهفهفةٌ عفرا أُجِنُّ غرامَها
وما لمَسَتْ منها الأناملَ راحتي
أكتِّمُ أشواقي وليس بنافعٍ
تكَتُّمُ ما بي والسُّكوتُ تعلَّتي
إذا الدَّاءُ في كتمانِ شوقٍ فحاسمُ
الهوى الموتُ إنَّ الموتَ فكٌّ لعُقدتي
أجاورُ بدرًا كالنُّجومِ خدوده
ضفائرُهُ غيمٌ مُحنَّى بليلةِ
لها عذبُ ترنيمٍ بإنجيلِ قولِها
وعينٌ إذا تبكي، فدَمعٌ كآيةِ
ولي حُزنُ يعقوبٍ وأكثرُ حسرةٍ
فأينَ من الأشواقِ ألقى حبيبتي؟
هلُمِّي، هلُمِّي يا فتاتي لنلتقي
دنِفْتُ أسًى، ثُمَّ تلفتُ بصبْوَتي
بكيتُ على ذكرِ الحبيبِ صبابةً
وأيُّ صبابةٍ تفوقُ صبابتي؟
أراودُ نفسي في مخادعِ سلوةٍ
أعوذُ بربِّي من وساوِسِ سلوَةِ
تُصيبُ حشا المفتونِ فيها بأسهُمٍ
حِسانٍ، أكنَّاتٍ، بقلبي تلظَّتِ
ولمَّا تلاقينا بأوَّلِ مارسٍ
تجدَّدَ عُمري وابْتَدَتْ معْكِ قصَّتي
وقد جمَعَتْنا يا رُنَيْنةُ شمعةٌ
وأيُّ لهيبٍ يا حياتي بشمعتي؟
أميلُ لها وهْيَ الإمامُ، وقِبلتي
العيونُ ومحرابي الذي فيهِ صلَّتِ
أسلِّمُ حتَّى في السلامِ رأيْتُها
يميني، شِمَالي، ثُمَّ ثوبي وسِبْحتي
أنوحُ علينا والعلاقةُ هُتِّكَتْ
وقد أفنتِ الأقدارُ طيبَ علاقةِ
أيا برزخَ الأشواقِ إنَّكَ مُتلفي
وطُوفانُ نُوحٍ لا يُشابِهُ عبرتي
فعَبرةُ أوَّاهٍ، وعَبرَةُ ظبيةٍ
تُبيدُ بِنا كُفرَ الشُّعورِ بفُرقةِ!
وهبتُكِ رُوحي في الغرامِ محبَّةً
لعلَّ مِنَ الأرواحِ نعمةُ زُلفةِ!
تُكلِّمُني حتَّى أرقَّ فأنثني
لحُلوِ كلامٍ بالدَّلالِ ورقَّةِ
أراها وميضًا في الغرامِ ملُولةً
تمُرُّ كشُهبٍ ثُمَّ تُخفى بلحظةِ!
أبعدَ عهودِ الوِدِّ تنقضُ ما وفَتْ؟
وقد أقسَمَتْ لوْعًا، وسُرعانَ مَلَّتِ!
عجبتُ لقلبي أنَّهُ رغمَ غدرِها
بِهِ لم يزَلْ يهوى العُبابَ بلَوْعةِ!
تُحدِّثُني تبغي لقاءًا وتشتهي
فإنْ تطلبي هذا، فيا خيرَ بُغْيَةِ
وتَوْبادُنا عند الإشارةِ نائحٌ
أحسَّ الجمادُ بي، وما قد أحسَّتِ
كأنِّيَ منها إذْ ظفرتُ بمُلتقًى
أرى ملكُوتًا من كرائزِ وجْنةِ
أحبُّكِ حتَّى قد سألتُ خليلةً
وفي كُلِّ أعضائي نَميتِ كوَردةِ
أرقُّ للومي من عذولي فعذلُهُ
يُهيِّجُ ما بي لوعةً بملامةِ
تحدَّيتُ أقوامي ونفسي بحُبِّها
فهل هيَ مثلي في التَّحدِّي رُنَيْنتي؟
وقفتُ بأعتابِ الغرامِ مُصهَّدًا
فجَوٌّ لطيفٌ حيثُما الرِّيحُ هبَّتِ
أقولُ لسَلمى يا سُليْمةُ خبِّري
القتيلَ بأخبارِ المها حيثُ شطَّتِ
أجولُ مَداها باحثًا، صاديًا لها
لخَدٍّ تحنَّى بالدِّما حُلو زِينةِ
وبي لوعةٌ شبَّتْ كلوْعةِ عُروَةٍ
بعفرَاءَ إنِّي كجميلِ بُثَيْنةِ
عرفتُ حبيبي مُسرفًا في هجيرِهِ
يُبارِكُ بالهجرانِ والبَيْنِ قتلَتِي
ومَنْ يرَ في عشقِ الحبيبِ مذَلَّةً
فذا في الهوى شَرعٌ وخيرُ سجيَّةِ
تُعذِّبني لهْوًا فلا بأسَ يا رنا
فإنَّا بكَفِّ الحُبِّ أخشابُ دُميَةِ
فما كادَ جفَّ الدَّمعُ حتَّى انْكَوى الحشَا
فدَمْعٌ على دمعٍ، ونَوحٍ وحسرةِ
وقد فاقتِ الأمواجَ في السِّحرِ والجوى
فجيدُكِ شطُّ الطِّيرِ، مرعَى الغزالةِ
وما بينَ أحداقِ النِّساءِ من الهوى
وأحداقِكِ السَّوْداءِ مَليُونُ نجمةِ
وشتَّان ما بينَ انْشقاقِ الصُّدُورِ في
عناقٍ طويلٍ والمماتِ بلَفتةِ
ولم أحفظِ النَّفس العليل بحُبِّها
وفي الحُبِّ إنَّ النَّفسَ غيرُ مُصانةِ
رُنيْنةُ إنَّ الحُبَّ منَّا خميلُهُ
وفي كفِّنا ترعى الشجونُ كنُطفةِ
كعُرجونِ نخلٍ قد نَمَتْ خُصُلاتُها
وليل كحيل سالَ من كُلِّ خُصلةِ
تغيبُ وطيفٌ في مناميَ نائبٌ
يجودُ بما أخفَتْ عليَّ وضنَّتِ
يُعوِّضُني طيفٌ يجيءُ تبسُّمًا
مُشَرَّحِ صدرٍ يُستهلُّ بنفحةِ
أبيتُ وعُذَّالي لحالي شماتةٌ
كَذا الحُبُّ دَومًا ما خلا من شماتةِ
فإنْ زادَ كيدُ الحاسدين ولومُهُمْ
تأكَّد بصدق الحبِّ صدقِ المحبَّةِ
أنا مثَلٌ في الحبِّ يُضرَبُ دائمًا
فوجديَ فوَّاحٌ، شذِيُّ صبابةِ
حديثًا تجاذَبْنا بِحَرِّ مَسبَّةٍ
فلُمْتُ بأحقادي، فردَّتْ وسبَّتِ
وربِّيَ ما أغلى عليَّ بأرضِنا
سِوَى قدَمَيْها في الشَّوارعِ حطَّتِ
بشارعِ نحَّاسٍ وشارعِ فاتحٍ
تسيرُ وفي النادي وفي الكَفرِ حلَّتِ
أخاصمُها صمتًا لأجلِ بُرُودِها
فأذبَحُ ما شاءَ الفؤادُ وشاءَتِ
غداةُ الهوى ساقٍ بكأسِ خواطرٍ
فأسْكُرُ بالأفكارِ في عشقها التي
أحاورُها باللطفِ علَّ صبابتي
ستُدركُها حُبًّا وتُسعفُ حِيرَتي
فنارُ الهوى تخبو بنارٍ جديدةٍ
ولا القلبُ ضجرانٌ ولا النَّارُ ملَّتِ
أناديكِ عمْدًا في البيانِ حبيبتي
وأدركُ يا نانا عقابي وعلَّتي
فسُبحانَ من سَوَّا الجمال لأجلِها
وزَيَّنَ أحداقَ المها فتَجلَّتِ
بسِرٍّ من البدرِ الكحيلِ ومِسْكِهِ
فرُوحُكِ بدرٌ بالصَّفاءِ تحلَّتِ
نُحُولٌ وأسقامٌ وموتٌ ورِعشةٌ
وحُمَّى الهوى أضنَتْ نُحولي وأذكَتِ
رُنَيْنةُ يا ذات الأسيلِ مُخضبٍّ
أيا توأمَ العذرا برُوحٍ زكيَّةِ
ذكرتُكِ عندَ البحرِ فيكِ مُسبِّحًا
وذكُرُكِ تسبيحٌ على كُلِّ صيغةِ
أنا أكبرُ العشَّاقِ حزنًا وشقوةً
ومِنْ ألَمي أبدَتْ جراحي نبوَّتي
إذا جئتِني يومًا بنفسي وجدْتِني
طريحًا، مريضًا والضُّلوعُ تأسَّتِ
وبعض عظامي بالنُّحولِ تآكَلَتْ
وقد كادَ أن يُفْني الغرامُ حُشاشتي
وما لي بنارِ الحُبِّ عافِيَةٌ وقد
أُصيبَ فؤادي في الغرامِ بذَبْحَةِ
وناريَ من نارِ الخليلِ، جهنَّمٌ
فأينَ من النِّيرانِ ألقَى سَلامتي؟
فنيرانُهُ بردًا غدَتْ وسلامةً
فيا نارُ بردًا حاوِطيني كجنَّةِ
وذنبُ كلينا في الصَّبابةِ واحدٌ
نُمثِّلُ في الأشواقِ دورَ الضَّحيَّةِ
وأنتِ هلالي يا رُنيْنَةُ والشَّذا
أيا بُرتقالَ الوجدِ، خوخُ الطُّفولةِ
ويومَ لقاها صُدفةً عُمُرِي ابْتَدَا
وما كانَ قبل الحُبِّ ليسَ بحِسبتي
أيا أوْلياءِ الحُبِّ عطفًا تصدَّقُوا
فكافرةٌ ضنَّتْ وبالبينِ زكَّتِ
أغارُ عليْها من نسيمٍ يُحيطُها
فلا تغضبي منِّي خصامًا لغَيْرَتي
فأحسدُ أثوابًا تُلامِسُ جسمَها
على الكَرمِ قد غارت غصونُ الشُّجيْرةِ
وأحسدُ صحْباتٍ تَرافقْنَ في المَسا
إذا كلَّمُوها للقا الشَّمسِ لبَّتِ
وأحسدُ أترابًا تبُوسُ رُجُولَها
فتُصبحُ جنَّاتٍ إذا سارتِ التي
تقومُ أعاصيرٌ لِنايِ قوامِها
وما عادةُ الهيْفاءِ أنْ بالحُبِّ غنَّتِ
وإنَّكِ يا عشتارُ كُبرَى مصائبي
وكُبرى العلاماتِ ليَوْمِ قيَامتي
وأحسُدُ مِن ودٍّ أباها وأمَّها
قطعتِ حبالَ الوِدِّ والقطعُ علَّتي
وأحسُدُ أضلاعًا تضُمُّ فؤادَها
حلمتُ بضمِّ القلبِ منها بسِدرتي
وأحسدُ دارًا بالحنانِ تُحيطُها
فؤاديَ دارٌ شيَّدَتْهُ كمَنْجَتِي
وأحسُدُ دُنياها فتَنْعَمُ بالهوى
ودُنْيايَ من غير الغزالةِ هُدَّتِ
فراديسُ أهدابٍ تُكحَّلُ بالبُكا
ولؤلؤ طوْقٍ نامَ، في موجِ لفْتةِ
أحبُّكِ في ثوبِ شجونٍ جديدةٍ
غريبٌ على الأشجانِ تجديدُ هيئةِ
نحوُلي شديدٌ من مكائدِ حيلةٍ
وإنَّ شفائي من زُمرُّدِ حَلمةِ
تقولينَ أمِّي لا تريدُ كلامَنا
ولا أدرَكَتْ قلبي شتاتُ الأهلَّةِ
أحاربُ من إنسٍ وجنٍّ جحافلًا
فحُبُّكِ إعجازٌ وهاتِكَ نُصرَتي
فتحسُدُني نفسي لشدِّةِ لوْعتي
فإنِّي بها منِّي حُسدُتُ بلوعتي
وكُلُّ حبيبٍ بالحبيبِ لقاؤهُ
وصَدري فراغٌ والحبيبُ بغُربةِ
أحسُّ بها قبل الكلامِ فإنَّني
كأمٍّ وذي في الحُبِّ نُعمَى الأمومةِ
ومَنْ يهوفي صمتٍ ويقْرا حبيبَهُ
قراءةَ فنجانٍ عميقِ القراءةِ
مُحِبٌّ فلا تدعو الثُّغورُ من الهوى
لثرثرةٍ، قيدُ الغرامِ بنظرةِ
رَنَوْتُ كما الأنداءُ ترنو إلى السَّنا
وما نامَ جفني من سُهادي وقُرحتي
أيا امرأةً بانَتْ بطعمِ فواكِهٍ
كمانْجُو تزْهُو بصَدرِ الخميلةِ
تُرَبِّي نُجيماتِ الشَّذا وكواكبًا
تهادَتْ بحِجْرِها لطورِ الطُّفولةِ
فأنتِ اكْتشافُ الوردِ والبرقِ أسرةً
وأنتِ انشطارُ الثَّغرِ من بعد هجعةِ
تخاطرتُ حتَّى قد تأزَّمتُ باكيًا
وحدَّثَني دمعي بلَوْمٍ وحُرقةِ
أموتُ إذا غابتْ وصعبٌ غيابُها
وإنْ حضَرَتْ يصعُبْ عليَّ تشُتُّتي
ولي في الهوى عُرْفٌ بثوبِ تصوُّفٍ
وزُهدي بجسمِ الكونِ إلَّا أحِبَّتي
وذاكَ انْتحارٌ والجنونُ تبتُّلٌ
ومنْ شاءَ يتْبَعْ في التَّبتُّلِ سُنَّتي
تعمَّدتُ من ماءِ العيونِ وعُنْقِها
فخمرٌ حلالٌ فيهِ مهدُ الطَّهارةِ
برغم انْشقاقِ البدرِ عنَّا ورَحلِهِ
فلا شكَّ أنَّا لم نَجِئْ للبدايةِ
فرُغمَ قليلِ الوِّدِّ يا (رَنُّ) بيننا
فلا في هوانا ذاكَ مسكُ النِّهايةِ
فإنَّا خلودٌ لا فناءٌ ودائمًا
يطولُ أسانا والقلوبُ تبقَّتِ
فكُلٌّ لهُ منَّا حنينٌ لخلِّهِ
فإنْ نبكِ حزنًا دامَ حبٌّ لخُلَّتي
كلامي طلاسمٌ ووجدي طلاسمٌ
هلالٌ يُغنِّي صدْعَهُ بالكنايةِ
ففي كُلِّ قولٍ قولُ وجدٍ خفيتُهُ
بمُستترِ الأنْوَا عن الدَّمعِ نُمَّتِ
وأتلُو اسْمَها في العُسرِ واليُسرِ داعيًا
فأنتِ نعمةُ الأقدارِ أنتِ تميمتي
عشقتُكَ قوليها لَعَمري تحدَّثي
وإن تكرهي قولي لأجل المَوَدَّةِ
يقول صديقي ويْحَ قلبِكَ عاشق
لأوْجاعِهِ في من إليهِ تقلَّتِ
فقلتُ له: إنَّ الإهانةَ عِزَّةٌ
ومَنْ يهْوحَرًّا لا يُبالِ بِعِزَّةِ
ولي ألفُ خصمٍ من هواها وإنَّهُمْ
غريمُو غرامٍ صُنْتُهُ بصبابَتي
أيا امرأةً أسنانُها برزخٌ بدا
يُفرِّقُ ما بينَ الخصامِ وقُبلةِ
وأشهدُ أنْ لا غيرَ نانا بحُسْنِها
ومن دمعِها تنسالُ نارُ الأنوثةِ
أحبُّكِ ما قِيلَتْ لغيرِكِ يا رنَا
لعَمرُكِ ما بُحتُ لأيٍّ مقالَتي
وما كشَفَتْ عيني لأيٍّ دموعَها
سِواكِ فإنَّ العينَ تدري قصيدتي
وما كنتُ أدري أنَّ فيكِ تعلُّقًا
لعَمرُكِ في وَجدي أبُثُّكِ حَيْرَتي
خُلِقْتِ جمالًا في الهيامِ تعفُّفًا
ففوْقَ زكَا لُبْنَى ولَيْلى العفيفةِ
ومنها يتوبُ الكُفرُ بعد مَضلَّةٍ
ويغتسلُ الرِّجسُ الأثيمُ بعِفَّةِ
صُلِبْتُ بكَفِّيْها وصلبيَ راحةٌ
فإنَّا للُقيا الحشرِ بعد ساعةِ
فما لبثَ الكونُ الضعيفُ لأدهُرٍ
وفي عالمِ الأرواحِ كُلٌّ بحِسبةِ
تعالي لكي نفنى عُرَاةً وحُبُّنا
كساءٌ وسَترٌ للْخِلافِ ودمعتي
سجايا الهوى هذي علينا كثيرةٌ
ولا ينتهي رحلُ المُحبِّ بِسَفرةِ
ويوم دخلتِ الدَّارَ، دارُ علُومِنا
قطعتُ شراييني وثارتْ شبِيبَتي
كيُوسفَ في قصرِ العزيزِ بهاؤُهُ
غوى نسوةً تسهو بكفٍّ ذبيحةِ
كأنَّكِ يا معنى البهاءِ ومَقتلي
بصورتِهِ والقلبُ كالبُرتقالةِ
فلا حولَ للقلبِ المُحبِّ وقَوَّةً
نزفتُ دمائي والسَّكاكينُ عَبْرَتي
كحُلْمِ خليلِ الله في ذبحِهِ ابْنِهِ
لها فيَّ ما شاءَتْ عليَّ برُؤْيةِ
وقولي كإسْماعيلَ سلَّمَ أمرَهُ
وبي لسماءِ الحُبِّ بالقلبِ ضحَّتِ
تعرِّي، أحبِّيني وذُوبي وذوِّبي
الشُّموعَ على جِسمي بحُرقةِ حُرقتي
أيا أسقُفَ الفردَوْسِ جائتْ ندِيَّةً
تُظَلِّلُني شوقًا بأنداءِ غيمةِ
تعرِّي، على الأعصابِ نامي، تمدَّدي
ولا تُسْفِري أحداقَ عينٍ أريضةِ
أمُنحلةَ الأعضاءِ فيَّ بصوْتها
وصوتُ المها في العظمِ باتَ بمُنْحَتِ
تغَنِّي أيا لحنَ السَّماءِ بمضجعي
ولا تصمُتي عنَّا ثوانٍ وتكْبُتي
فأصلُ الغِنا من صوتِها بلْ ولحنُهُ
ومعنى البُكا منها بعَيْنٍ سخيَّةِ
إذا العُمْرُ منِّي ضاعَ ذاكَ مُعَوَّضٌ
ولا عِوَضٌ عن وصلِها إذْ تَوَلَّتِ
حننتُ وحُمَّى الشِّعرِ فيَّ تعظَّمَتْ
إليْكِ يجي قلبي ويدنوكِ وِجهتي
وحاولتُ أنساها بصُحبةِ غيرِها
ولكن بلائي ما نسيتُ غزالتي
أحبُّ رنا حُبًّا، وأعبُدُها وقد
خفيتُ الهوى حتَّى خفيتُ وأُخْفَتِ
تراءَتْ على عيني ككوكبِ أحرُفٍ
يطُلٌّ مِنَ الشُّبَّاكِ يُطرِبُ ليلتي
تراءَتْ وفي شرعِ المُحبِّينَ ذا الهوى
تراءَتْ كَطيفِ الحُلمِ في أوْجِ يقظةِ
أنا أفقرُ العُشَّاقِ رُغم محبَّتي
ولكنَّ بُعدَ الوصلِ عنِّي مَضلَّتي
رنا يا رنا قلبي إليكِ وقد دعا
لعلَّ اسْتجابةً بموْضعِ ركْعةِ
أطوفُ كحجَّاجٍ بساحةِ مكَّةٍ
وكُلُّكِ يا كُلِّي وجسميَ كعبتي
طلبتُ رضاها سائلًا لثم كفّها
وذنبي غدا أمسًا بشرعِ أحِبَّتي
وما كُلُّ ذنبٍ في الغرامٍ مُبسَّطٍ
هناكَ ذنوبٌ قد تدومُ لساعةِ
وبعضٌ لأعوامٍ وتلك كبائرٌ
وإنَّ الهوى كبائرٌ من كبيرةِ
أظَلُّ صفوحًا والذنوبُ سحائبٌ
ففي الصَّفحِ تفنَى كُلُّها لِسحابةِ
فمَنْ يهْوَ إدمانًا يُسامِحْ تَحجُّجًا
فنظرتُها عُذرٌ وأجملُ سَكْرَةِ
أموتُ إذا تنأى، وحتَّى إذا دنتْ
وذكرى غرامي قد تهادت لحَضرتي
هيَ الذِّكْرياتُ البِيضُ تكفي لبُرهةٍ
ولا وِردَ عن وصلِ الحبيبِ لِعَطشتي
أعارضُ شيخًا لا يقلُّ مقامُهُ
ونانا بدتْ لي في ثيابِ ملاكةِ
إلاهةُ خمر الله يا أطهرَ الورى
كفاكِ فإنِّي قد ثملْتُ ببَطشةِ
إليَّ هداها الله رزقًا ونعمةً
بوَحيِّ السَّما شوقًا لحُضنيَ أُسْرَتِ
أحبُّ الذي تهوى وأكرهُ ما هوَتْ
تناقضتِ الأشواقُ رعنا بغَيْرتِي
لساني كليمٌ عن كلام فؤادِها
تَكَلَّمَ عنها ما أحسَّتْ وعانَتِ
وعينيَ باكٍ عن بكاءِ عيونِها
بكَى بدلًا عنها بما قد تشاكتِ
يطيبُ هوانُ الصَّبِّ عند حبيبه
وليسَ لهُ غير الهوانِ بكتمةِ
ونَوميَ لا أدريهِ حتَّى وأنثني
بنفسي وأنأى عن لقاءاتِ صُحبتي
فأُطوَى بها رُغم النصيبِ وكُفرِهِ
بنا، إنَّه لم...لم يكُنْ غيرَ كِذبةِ
ولم تُبْقِ منِّى البنتُ لا رمقًا ودمعةً
أفتِّشُ عنِّي في مداها حقيقتي
أيا أجملَ النِّسوانِ بل يا جمالَهْمْ
تجلَّتْ بها الرَّمضا بأحسنِ صُورةِ
ففاقَت رجالًا في نضارةِ يوسفٍ
وفاقتْ نساءًا في جمالِ زُلَيْخةِ
ومَنْ يرَ منها خطوةً صارَ مؤمنًا
بربٍّ بديعٍ في صياغةِ وردةِ
أحكِّمُها حالي لتُعدُلَ باللِّقا
وظُلمُ الهوى عدلٌ وكُلُّ العدالةِ
أحبُّ وأقسُو في عتابي وأغتدي
نسيمًا لهُ قلبٌ رقيق الليونةِ
لخَوْلةَ أطلالٌ ونانا رُسُومُها
بجسمي، فأبكيها بأنَّاتِ طرفةِ
فنيتُ من الأشياءِ تُفني صميمنا
وتُفني معانيها وبالشَّوقِ شفَّتِ
بحضرتِها دقَّ الفؤادُ مُوَلَّهًا
كأنَّ خفوقي قيدَ بسطٍ وقبضةِ
يشاءُ غبا الأقدارِ يجمعُنا المسا
وعلمُ الهوى ذا ليسَ غير جهالةِ
لفاطِمَ قلبٌ لا يرقُّ خفوقُهُ
لدمعِ امرئ القيسِ المُعنَّى بعشقةِ
كتبتُ حروفًا في الغرامِ زرعتُها
بحُبِّي دموعًا كُلَّ دمعٍ بدَمعةِ
بمُنتصفِ الليلِ الكحيلِ أجيئُها
أكابرُ والأقمارُ تُنصفُ مِحنتِي
وأسألُ كلبَ الحيِّ عنكِ وقطَّةً
وأدركُ أنْ لا حاضرًا للإجابةِ
غبارٌ...غبارٌ في سريري مبيتُهُ
وقد نحَلَتْ جسمي لهيبُ الأريكةِ
وإنْ قتَلَتْنِي ما لربِّي شكَوتُها
فقتليَ مُنْتَهى العُلا والشَّهادةِ
لها حدَقٌ أسْرَى فؤادي إلى الأسى
يُحيلُ كياني في ظنونٍ غريبةِ
فسبعٌ طباقٌ في الجفونُ طلعتُها
وسدرةُ رمشٌ بالمدامعِ أُسْقَتِ
حشاها حشى الحُوتِ الحنونِ بيونسٍ
ولكنَّهُ أقسى وأكثرُ نشوةِ
عصيتُ هواها بالرجاءِ تضرُّعًا
فألقتْ رغيدَ العيشِ منها بغدرةِ
ولو سفَكَتْ كَبْدِي وصدريَ والحشى
رأتْ حُبَّها في كُلِّ عضوٍ مُفتَّتِ
أحبُّ كئوسًا تلاعبُ ثغرَها
ومعجونَ ريحانٍ حواهُ بفُرشةِ
لقد أبصرَتْ ما بي ولكنَّ قلبَها
كفيفَ غرامٍ ما رأى جُلَّ لوعتي
أذوبُ ولا أدراكِ ربِّي الذي أرى
فلوْ علمَتْ ما بي لأمسَتْ وأضحَتِ
صباحَ، مسَا لا...لا تملُّ تعفُّفَ
العناقِ ومَرعى كُلَّ كفٍّ بلمسةِ
إذا متُّ يا أهلي بشوقيَ بلِّغُوا
الحبيبَ الجوى إنَّ الهيامَ وصيَّتي
وشأني بشأني لا يعزُّ فراقها
وكُلُّ قليلٍ من لقاها بمِنْحَةِ
فإنْ راحَ عن عيني فؤاديَ مُبصرٌ
وكنتِ بمحرابِ التَّجلِّي وحضرتي
أجوبُ صحاريها وعطري حقيبتي
وريحُ الصَّبا في الحيِّ أصبحَ مُطيَتي
كأنِّي سليمانًا ملكتُ زمامها
وذا الجِنُّ من جيشِ الهوى ورعيَّتي
أكلِّمُ فيكِ غزلانًا تثنَّتْ وهُدهُدًا
وأنطُقُ شدوًا في هديلِ حمامةِ
أعلِّمُها علمَ الغرامِ تغزُّلًا
بكُلٍّ مقامٍ في الخُصُورِ الطَّرِيَّةِ
كأنِّيَ داوودٌ أشكِّلُ قلبَها
يلينُ حديدُ القلبِ طوعًا براحتي
وفيكِ أعاني مثلَ آدمَ في الهوى
فحوَّاءُ منهُ من ضلوعٍ وأنَّةِ
فكَيْفَ أيا ضلعَ الفؤادِ تُصيبُهُ
وأنتَ بصدري من ضلوعٍ ضعيفةِ
أمُرُّ على نارٍ تَوَقَّدُ في الحشا
فتأكُلُ أكلًا إذْ فتاتي تراءَتِ
أتيتِ وكُلُّ الأمرِ أنَّا هباءةٌ
وغيري بلُقياكِ ينالُ فضيلتي
حرامٌ على الطُّهرِ المُحَلَّى بعُريِهِ
يسيرُ بسَتْرٍ في ثيابِ النَّجاسةِ!
فأكرهُهُا كرهًا جميلًا فيغتدي
هيامًا...هيامًا لا يُحلُّ كعُقدةِ
وشأني بشأني لا أشاءُ خفاءَهُ
فأخفيتُ حتَّى ضلَّ شوقي وذمَّتي
ويوم النَّوى لم ينطُقِ الثَّغرُ إنَّما
ينُوبُ البُكا بالدَّمعةِ العَفَويَّةِ
برَيْتُ عظامي من رماحي كأنَّني
بحُبِّكِ يا نانا كُثَيِّرُ عزَّةِ
وما بينَ نأيٍ واقْترابٍ نذوبُ في
مقامٍ تسامَى بينَ وصلٍ وجفوةِ
أظلُّ نهاري باحثًا عن لقاءِها
لعلَّ لقاءًا من صياغةِ صُدفةِ
فلا خيرَ في يومٍ بدونِ لقاءِها
ولا في فؤادٍ عنْهُ غيرُ رضِيَّةِ
أيا غسقًا يهفُو حليمًا بحَلظِهِ
وفجرًا سَناهُ من صُدُورٍ حلِيمةِ
كُنِيتُ بمجنونِ الرنا من صبابتي
وعبد الرنا، إنَّ الهوى حُلو كُنْيةِ
مريضٌ وما لي صحَّةٌ من هجيرِها
إذا اقْتَرَبَتْ ميلًا، فكَبْدِيَ أُشْفَتِ
تصُدُّ ولا في الحُبِّ غير معاركٍ
تصُدُّ ويأبى القلبُ طعمَ الهزيمةِ
إذا كرِهَتْنِي قد أزيدُ توَلّهًا
وإذْ قتَلْتْنِي، الرُّوحُ بالموتِ أُحْيَتِ
نصبتُ لها فخًّا، وقعتُ بهِ بها
وسهمُ كُيُوبيدٍ يُصيبُ حُشاشتي
عرفتُ هوى النِّسوانِ يومَ صددنَني
فقبل رنا كان النساءُ بحُرمَتي
وبعد رنا كُلُّ النساءِ هباءةٌ
ومجدُ الهوى أضحى بعَيْنيْ جميلةِ
أنالُ منالًا في هواها مُبجَّلًا
وما نالَ غيري مثلهُ من ندِيمتي
وليس لقلبي في هواها تجلُّد
وليست تُديرُ القلبَ غير رعُونةِ
تُعذِّبنِي يا ليتَ أنِّي مُعذِّبٌ
لتشْعُرَ نار الحُبِّ منذُ ثلاثةِ
تمنَّيْتُ من حُبِّي لها أن تَحبَّني
بقدرِ الذي أُبْدِي لها بِطَرِيقتي
يضيعُ طريقي للصحابِ، فحَيُّها
دليلي وأنسامُ الرَّوابي دلِيلتي
أحبُّكِ حتَّى قد تورطَّتُ عامِدًا
ومُقترِفًا ذنبَ الهيامِ بوَرطةِ
وما بينَ جهلِ النَّاسِ عنَّا وحقدهمْ
حوارٌ هوانا بالعيونِ كليمتي
أيا جبلَ التَّوبادِ إنِّيَ عاشقٌ
وفي كُلِّ جسمي فيَّ كُلُّ بشاشةِ
وقد مرَّ طيفٌ قد شممتُ أريجَهُ
وأبصرتُها في شارعِ (الحلوِ) مرَّتِ
وما بينَ وصلٍ من دموعٍ ونظرةٍ
تسامى التَّجلِّي في الدموعِ الحميمةِ
تُوَسْوِسُ لي زِدْ في الصَّبابةِ والضَّنى
وزِدْ في الهَوى عامًا فإنَّكَ رُؤيتي
ولله في دينِ المحبَّةِ مأربٌ
فوَصلُ المُحِبِّينَ سُمُوُّ العبادةِ
يُجمِّعِنا حُبًّا قتيلًا وقاتلًا
وهذا من المعبودِ أعظمُ نعمةِ
ويوم تلاقينا بأوَّلِ مارسٍ
وشبَّ جنوني عند باب العمارةِ
شعرتُ بأنِّي قد وُلدتُ مُجدًّدًا
وما يُبعثُ المفتونُ إلَّا بكِلْمةِ
فقلتُ وقالت والقلوبُ تبسَّمَتْ
ومن بسمةِ الحسنا تلظَّتْ وِلادتي
ثمارٌ وأغصانٌ وكأسٌ تأوَّهَتْ
إذا قبَّلَ الأطرافَ ريحانُ شِفَّةِ
تُداعبُني إثرَ التلاقي تدلُّلًا
كما داعبَ الرَّيحانُ زعترَ ربْوَةِ
يُداعبُها قلبي بإبريلَ ساريًا
ومُعترفًا شوق الصَّميمِ فصَدَّتِ
وما للفتَى حظٌّ وذاكَ مقَدَّرٌ
فرُشْدُ الفتَى في الحُبِّ أعمى البصيرةِ
كتبتُ بياني في ضلوعي بظفرِها
أئنُّ على ما قد بقى من بقيَّتي
أقمتُ بها نُسْكًا وذُبتُ توَرّعًا
ومِتُّ بها صومًا بإمساكِ عطشتي
ويوم تمشَّينا وكنَّا تقرُّبًا!
ألا ليتَ ماضٍ عن غداةِ كآبةِ
ففي نَكَدٍ نامَ الفؤادُ بيأسِهِ
فكانَ النَّوى من وردةٍ بلَدِيَّةِ
يقولُ ليَ الفيروزُ أضحتْ بحُبِّنا
تهيمُ كرِيحٍ في شراعِ سفينةِ
تبُثُّ بسبتٍ والثلاثاءِ بِدعةً
تُلَوِّحُ من أُفْقٍ بعيدٍ بضحكةِ
أخافُ على نُطقِ اسْمِها خيفةً مِنَ
الوُشاةِ وصوْنًا للغرامِ أليفتي
وثبتِ لشرياني وقلبي كأرنبٍ
يبُثُّ بأعماقي وُرُودَ الوَداعةِ
أنا ميِّتٌ فيها ولي من ودادِها
ثواءٌ وعيناها ثوابي وعصمتي
ففي كُلِّ ذنبٍ لي ثوابٌ ورِفْعةٌ
وقد سَتَرَتْهُ أدمُعي عن فضيحةِ
فجئتُ إليها في حُزيرانَ نادمًا
وأطلبُ غفرانًا بذُلِّي وخَشْعتي
تجلَّى المَسيحُ يا رُنَينةُ في السَّما
مسيحُكِ يا عذراءُ قلبي ومُهجتي
بكَفرِ عصامٍ والسَّريعِ مُقيمةٌ
فكيفَ هوَى الفردوسُ فيهِ نُسَيْمتي؟
أجيءُ على ظهري همومي وخيْبتي
وفي الحيِّ قد شاءَ الخيالُ إقامتي
أرُوحُ إليها بالذُّنوبِ مُحمَّلًا
وأرجعُ بالحَسْناتِ تملأُ جُعبتي
وفي مُلتقى سبتمبرٍ كنتُ ضائعًا
أقابلُها في مغربٍ عند صخرةِ
فيا صخرةً أضحتْ طلولًا كقلبِنا
غرقنا بها ذكرى كراسبِ قهوةِ
وأرسلتُ من وحيِ الدُّموعِ رسُولةً
كنجمٍ بدا في هيئةٍ بشَرِيَّةِ
ولم يرسُ جرحي في شطُوطٍ ومرفأٍ
فأجهلُ ما فيهِ، وأجهلُ وِجهَتي
وكُلُّ الذي شاءَ الغرامُ قضاؤنا
وإنْ كانَ في كفِّي لغيَّرتُ ما فتِي
لكُنتُ جعلتُ القلبَ دارًا وموئلًا
إليهِ اسْتَمالتْ عشقةً واسْتَقرَّتِ
لكنتُ جعلتُ الماءَ يمشي مُوَلَّهًا
وكُلَّ الحَماماتِ تُغَنِّي حكايَتي
هُوَ الحُبُّ ما يلقي بحالِ الفتى إلى
الخرابِ وذا في الحُبِّ أوْجُ الفضيلةِ
وما كُلُّ داءٍ للفؤادٍ بِمُبغضٍ
وليس طبيبُ الإنسِ مثل طبيبتي
أنا فيكِ موجودٌ، أنا قمَّةُ الوفا
فلا غيمةٌ تسطيعُ وصلًا لقِمَّتي
بِرُوحِ رنا إنِّي التمرُّدُ واللظى
فيا ليتها تدري الذي عنهُ تساهَتِ
فلا الشَّوْقُ في قربٍ يزيدُ وإنَّما
يزيدُ ببُعدٍ، إنَّ ذا حُكمَ شِرعتي
تعالي فإنِّي عاشقٌ لا محالةٌ
وما لفؤادي سلوةٌ عنكِ حُلوتي
تعالي فليس الجسمُ باقٍ وإنَّما
خلودُ الهوى بالرُّوحِ إذْ هيَ طارتِ
أروحُ لعرَّافٍ وأبحثُ جاهلًا
لعلَّ حجابًا قد يُدبِّرُ حاجتي!
لعَمْرُكِ لو...لو ألْثُمُ الشَّالَ يا رنا
وأشتَمُّ فيهِ سيلَ عطرِ المَلاحةِ
أريدُ لقاءًا رغمَ أنَّ اللقاءَ لا
يُبرِّدُ ناري عن أنيني وشِدَّتي
ولي جسَدٌ قد هدَّهُ السُّهْدُ يا رنا
وأصبو بنفسٍ للقاءِ طموحةِ
وإنْ يكُ فيهِ مُسْتحيلٌ فضلِّلي
الفؤادَ سُدى، جودي عليهِ بكِذبةِ
لها جسَدٌ كالمُزْنِ أبدى نُعومةً
على ورَقي فالشِّعرُ مهدُ النُّعومةِ
لها مُقلةٌ ترنو، ورمشٌ مُقدَّسٌ
أرى فيهِ ظلَّ الله ظلَّلَ عُسْرتي
أرُوحُ إليها في فؤادي مقاصدٌ
وأرجعُ لا أدري سواها قضيَّتي
ولا شكَّ عنْ صدقٍ يطوِّقُ قوْلَها
ولا شكَّ إنْ أبدتْ إليَّ غلاوَتِي
فقلبي على النَّادي وحلو وفاتحٍ
قريبٌ، بعيدٌ والصُّخورُ أعنَّتِي
أراودُ أقلامي بذكرِ محاسنٍ
فشَعرٌ طويلٌ والوُرودُ بعُتْمةِ
رنا قِبلةُ التَّاريخِ، أندلسٌ بَدَتْ
وقلبي بقلْبها ابْتغى بدءَ غزوةِ
لها نزْعةٌ صُوفيَّةٌ من صَبا وقد
بدَتْ مُقْلتاها من صفاءٍ ومَروَةِ
هي الهمسُ بل صمتُ الوُجودِ بغَيْهبٍ
أغازلُها غصبًا، أبَتْ أم أحبَّتِ
ذُبابُ الرُّبى في حيِّ نانا بلابلٌ
يُرفْرفُ غضًّا في جناحِ فَراشةِ
إذا نظَرَتْ نحوي فرحتُ لأدهُرٍ
وراحَ كلانا والدُّموعُ اسْتهلَّتِ
وغايةُ قلبي في الهيامِ تفرُّدٌ
فنصبحُ رُوحًا والعناقُ وسِيلتي
عشقتُكِ، كيفَ العشقُ بعدكِ يا رنا؟
وأنَّكِ بي سُلْطانتي ومَليكتي
ففيكِ مُعاناتي وفيكِ تهتُّكِي
وفيكِ انْتحابي في شجونٍ تسامَتِ
وفي الذَّرِّ كُنَّا صُحبةً وتوَحَّدَتْ
بأجسادِنا أرواحُنا بصداقةِ
وما بفؤادي يا رنا بَعدُ لم يُقْلْ
وذا النَّصفُ منهُ أو أقلُّ بنِسْبةِ
فما لكِ في قلبي كبير لكي نقو
لَهُ أو نراهُ بالعيونِ الصَّغيرةِ
وبعض الهوى بالقلبِ يُسمعُ وقْعُهُ
كما يعبقُ الآذانُ في كُلِّ مُهجةِ
دعيني لأشواقي أكونُ مترجمًا
وأشدُوكِ ودًّا في غداةٍ وضحوَةِ
مُراديَ أنْ ألقاكِ في الحيِّ دائمًا
وعيناكِ طنطا يا رُنَيْنُ قرينتي
وكم أتَمَنَّى أنْ أكلِّمَها لكي
أقولَ لها: أشتاقُ!، هل لي بَزَوْرةِ؟
أخافُ، فصَدٌّ ثُمَّ حُزْنٌ ولوْعةٌ
فأبقى بأضغاثٍ مضَتْ وتلاشَتِ
أعانقُ طيفًا في حريرِ وسادتي
أطالعُ عينيها وأشكُو لصُورةِ
أحسُّكِ في أنفاسِ صدريَ زعفرا
نَ خُلْدٍ هفا في كُلِّ زفرةٍ كُلِّ شهقةِ
من الحُبِّ ما أذرَى وأهدَرَ عاشقًا
فلا عاصمًا عن مقتلٍ وصبابةِ
فكنعانُ في كُفْرٍ تشبَّثَ وادَّعى
وكُلُّ قضاءٍ في الأسى بمَشيئةِ
كأنَّكِ نوحٌ في الغرامِ فؤادُهُ
يلينُ ويُبدي لي جميلَ النَّصيحةِ
فيقضي الهوى ما شاءَ منِّي فأهتدي
خيالًا ويرسو الحُبُّ فوقَ غمامةِ
وترسو دلالًا في فؤادي تربُّعًا
وأرسو هيامًا، جاثيًا عند رُكْبةِ
أقيمُ ضريحًا للفؤادِ بحيِّكُمْ
يمرُّ عليهِ كُلُّ قلبٍ بدعوةِ
فيا ربِّ إن دعَتْ عليَّ تبغُّضًا
لها فاسْتَجبْ في كُلَّ دعوةِ بغضةِ
وإنْ أرسلَتْ يومًا إليَّ غضوبةً
فقأتُ الضيا عنِّي وأهديتُ مُقلتي
فخوضي بأعراضي فتلك مُباحةٌ
ولي أنتِ وحدي، أنتِ غيرُ مُباحةِ
أموتُ لها عامًا وأحيا دقيقةً
لوصلٍ جميلٍ لم يدُمْ لدقيقةِ
وقد لوَّحَتْ لي بينَ صحبي تلطُّفًا
فلمَّا تقابَلْنا جُننتُ، فجُنَّتِ
لها كُلُّ عينٍ كاللسانِ فصيحة
وكُلُّ يدٍ كالصدرِ حينَ تلاقتِ
فيغدو رنا قلبي وتغدو رنا أنا
وكُلٌّ لكُلٍّ يغتدي بمَعيَّةِ
وقفتُ برمضاءِ الثُّلاثاءِ آملًا
فإنَّ لها فيزْياءَ عند الظهيرةِ
أحبُّكِ حبًّا في السحابِ مُقامُهُ
فأُبديهِ جهرًا في معانٍ عميقةِ
فيا ليتني يا رنُّ مثلكِ لي أبٌ
فأجملُ ما...ما فيكِ عطفُ الأبوَّةِ!
ويا ليتني يا رنُّ أغرقُ في الحشا
ففيهِ مُهُودُ الأغنياتِ الجنينةِ
أحبُّكِ حُبًّا واليقينُ كُتابُهُ
وهذا كتابٌ كُلُّ قولٍ بعَبْرَةِ
تكلَّمتُ عن حالِ المُحبِّينَ باكيًا
وكُلُّ محبٍّ حالُهُ بعضُ آهتي
وما بينَ لمسٍ واقترانٍ نتوهُ في
الصُدورِ بنبضٍ في قلوبٍ لميسةِ
تمنَّيْتُ من نانا بقاءَ ودادِنا
بقيتُ عليهِ إنَّما ما تبقَّتِ
ففي كُلِّ شوقٍ من دُنُوٍّ لقلبِها
خداعٌ ومن شوقي إليها اسْتبَدَّتِ
هنيئًا لما أبدَتْ إلينا بحقدِها
مريئًا لما أبدتْ إلينا بغمزةِ
دعي الشَّقوَ هذا واخْلعيهِ مُريدةً
فمن برَدِ الأسى خَلَتْ كُلُّ موجةِ
ولا تدَعيني إنَّني النُّسكُ في الجوى
أبينُ لها ذكرًا إذا هيَ صلَّتِ
وقد حانَ ميلادي فهل من (مبارك)؟
فهل من لقاءٍ؟ ذاكَ أحلى هديَّةِ؟
هو الحبُّ لا أدريهِ رغم لهيبه
ولا هُويدريني ودمعي كجَذوَةِ
فها أنا مثكولٌ ونفسي فقدتُها
وإنَّ الذي ألقاهُ منبعُ غبطتي
وما الحُبُّ إلَّا لوعةٌ وتناقضٌ
غرامٌ وكُرهٌ والفؤادُ كرِيشةِ
تميلُ على الجَنْبَيْنِ ضدًّا وكُلُّهُ
يصُبُّ إلى جرحٍ ومنهُ لعشقةِ
فيا ليتها تهوى وإنْ كرِهَتْ فلا
كرِهْنا فدومًا نلتقي إثر رَجعةِ
وإنْ ظَهَرَتْ في الليلِ إنَّ خمارَها
الضِّياءُ بوَجهٍ كالنُّجومِ الأفولةِ
سرقتُ لها الأقمارَ قطفًا من السَّما
كما قطَفَتْ منِّي الفؤادَ بخِفَّةِ
فإنَّ الهوى مكْرٌ مُحلَّلُ والجوى
ومن شاءَ وجدًا ما الهوى غير سرقةِ
أحبُّكِ حُبًّا يا رُنينةُ جامحًا
فليس له تعريفُ بثَّ هشاشتي
وما أعنفَ الأشواقَ والوجدَ إن طغوا
بسُقمِكِ يا بنتَ الظِّباءِ الحميدةِ
وما بينَ تسبيح الضَّني في جوانحي
وحُزنٍ أعاني في ضلوعٍ نحيلةِ
فقلتُ: وظبيُ الرَّاءِ ذاكَ بليِّةٌ
وما ميَّزَ الأسقامَ طعم الحلاوةِ
وأنتِ الهوى والحزنُ والكونُ كُلُّهُ
وحُبُّكِ آثامٌ وأنكرُ تَوْبَتي
وما بَيْنَ عصيانِ القلوبِ وطاعةٍ
أطيعُ دموعي في فتاةٍ عصيَّةِ
أحبُّكِ هذا القيلُ عنِّي فإنَّ في
سقامي تجلَّى الحُبُّ جُلَّ الجلالةِ
دعيني، دعيني أغنِّيكِ نائحًا
فسيَّان ما بينَ النَّوى ووجيعتي
وسيّان ما بينَ العيونِ وساحرٍ
فعيْنُكِ راسْبُوتينُ بشَّرَ بلْوَتي
وفي الحُبِّ من صعبٍ يُبيدُ لأصعبٍ
أعاني وآيُ الحُبِّ مهدُ المحبَّةِ
فأوْجزتُ ما يُضني المُحبِّينَ بالجوى
بعشرِ دروسٍ من مَكابدِ رِحلَتي
فهذا كتابُ الحبِّ أفنى بيَ الصِّبا
بحبرِ دموعي تلكَ آخرُ صفحةِ
فلولا الشقا لن ندرَكَ الحبَّ والأسى
فأوَّلُ درسٍ فيهِ (آهةُ شقوةِ)
ومَنْ يهوما أبقى حصاةَ تعقُّلٍّ
فثانيَ درسٍ فيهِ (فرطُ الحماقةِ)
أحبُّ وأبكي يومَ تنأى رُنَيْنتي
فثالثُ درسٍ فيهِ (عهدُ الطُّفولةِ)
وأجهلُ ما شأني وأبغي محبَّةً
فرابعُ درسٍ فيهِ (علمُ الجهالةِ)
وإنِّي لهاوفي عيونٍ قتلنني
فخامسُ درسٍ فيهِ (لذَّةُ قتلةِ)
أحبُّ الذي في كُلِّ يومٍ يخونُنِي
فسادسُ درسٍ فيهِ (بوحُ الخيانةِ)
فما لي بديلٌ عن لهيبي ووقْفتي
فسابعُ درسٍ فيهِ (خشْيَ الخُسارةِ)
وإنِّي لمخْفيُّ الحِجَى عن تعقُّلي
فثامنُ درسٍ فيهِ (سَتْرُ الرزانةِ)
سكُوتٌ وكتمانٌ لشوقٍ مُؤجَّجٍ
فتاسعُ درسٍ فيهِ (كبتُ الصَّبابةِ)
إذا ما بدا صبرٌ لداءِ صبابةٍ
وأتَلفَ من دارى هواهُ بحسرةِ
فعاشرُ درسٍ في الغرامِ مُعنْوَنٌ
"و لا خيرَ عن جَزْعٍ سِوى خطْبِ مِيتةِ"