بعضي يتهيّأ للسقوط،
كثمرةٍ أرهقها التعلّقُ بغصنها الأخير،
وبعضي الآخر
يُصغي إلى ومضةٍ بعيدةٍ
لا تكاد تُرى
إلا من فرط العتمة.
في داخلي
تتبادلُ الشكوكُ والحدوسُ أقنعتها،
فلا أعرف:
أأنا الذي أتقدّم نحو هاويتي،
أم هي التي تتّسعُ لتستقبلني؟
أجرُّ أيامي خلفي
كما يجرُّ المسافرُ حقيبةً فقدتْ عناوينها،
وألتقطُ من الطريق
فتاتَ خطواتي القديمة،
كأنني أبحثُ عن شخصٍ
غادرني منذ سنوات
وترك اسمي عند الباب.
يا نفسي،
خفّفي وطأتكِ عليّ،
فما عاد في القلب متّسعٌ
لكل هذا الضجيج الخفي.
لقد سقطتْ ظلالي أولاً،
ثم تبعتها أحلامي
واحدةً إثر أخرى،
حتى بدا العمرُ
كمدينةٍ أُطفئت مصابيحها
وبقيت نوافذها مفتوحةً للريح.
الآن
أقفُ بين بابٍ لا يتذكّر مفاتيحه،
وطريقٍ
كلما مشيتُ فيه
ازداد ابتعاداً.
لا أحد ينتشلني من هذا التعليق،
ولا الذين عبروا يعودون،
سوى أصداء بعيدة
تمرّ أحياناً على الروح
كما تمرّ يدٌ على ماءٍ ساكن،
ثم تمضي.
إنه الانكسار،
لا بوصفه هزيمةً،
بل بوصفه إقامةً طويلةً
في المسافة الفاصلة
بين ما كنّا نظنّه خلاصاً
وما آل إليه المصير.
كزورقٍ فقد الجهات جميعاً،
لا البحرُ يتبنّاه،
ولا اليابسةُ تعترف به،
يظلّ معلّقاً فوق تردّده،
يتأرجح بين الغرق والنجاة،
كأنهما اسمان لشيءٍ واحد.
وحين يوشك الليلُ أن ينتهي،
تظلّ نجمةٌ وحيدةٌ
مستيقظةً في أقصى السماء،
لا تنتظر الفجر،
بل تنتظر أن تعرف
لماذا تأخّر كل هذا الضوء.
وهكذا أبقى،
لا واصلاً،
ولا منقطعاً،
مجرّد اسمٍ
ما زال مكتوباً
على لائحة الانتظار.