هَرِمَ المغنِّي
واستبدَّ به الحنينُ وجرّ ثوب الليل
ها جرَّ ثوبَ الليلِ من قلقِ الجراحِ وقد تتطلَّعَ للصباحْ
أُوَّاهُ من قلق الجراحْ!
أواه من تعب الجراحْ!
ذكروا بأنَّكِ قِبلةً للنَّازحين
النَّازلين من الجبال قوافلاً كالسيْل
القادمين من البعيد على مطايا الليلْ
الرافعين إلى السماءِ أكفَّهمْ متحطِّمين.. معذبين
لفظتْهُمُ الطُّرُقاتُ والشطآنْ
أضناهمُ الجلَّادُ والسَّجَّانْ
هجمت سرايا الموت، وانتشر الأنينْ.
نفسي تثورُ عليَّ تشكوني لأبناءِ اللئامْ
ويدي مقيَّدةٌ كأضلاعي
ومعي نخيلُ الأَرْضِ والتاريخُ والأيامْ
وأعيش منبوذاً بأوجاعي!
نفسي تثور عليَّ تشكوني لأبناءِ اللئامْ
ومدامعي مقهورةٌ ويراعتي تحت الرُّكامْ
كالمركبِ المكسور في لجِّ الظلامْ.
هل تأخذين على يدَيْ أغنيِّةٍ كادتْ تموتُ من التعبْ؟
كادت تمزِّقُ نفسها..
لا صوتُها المبحوحُ تفهمهُ الرَّعاعُ
ولا ترقُّ لحالِ شاعرِها العربْ
من حولها الصحراءُ ترفع كفَّها والثائرون بلا سلاحْ
والذكرياتُ كساحةِ الميناء كالحةٌ وقد هرمَ الجناحْ
أوراقهُ طيرٌ مسافرةٌ
وقد ضلَّتْ طريق الغاب
قد هرم الجناحْ
وصدى أغانيهِ وراءَ النهرِ يمشي كالعليلْ
بين الحشائش والسنابلِ والنخيلْ
ما عاد يملك أيَّ ذاكرةٍ لضوءٍ أو شرابْ
البيدُ ما عادت تشاركه الطرائدَ والكواكب والقِداحْ
ومشى الصَّدى وبكى الصَّدى وقَعَ الصَّدى فوق الصَّدى
فتدَفَّقَتْ من جرحِهُ صورُ العذابْ.
هل تسمحين لجُملةٍ شِعريّةٍ تضعُ الرِّحال
هنا هنا فوق الضِّفافِ؟
من الأسى تضع الرِّحالْ
هل تأذنين للاجئٍ بكِ يحتمي من نخبةِ السلطانْ؟
لا الجارُ يُنصفهُ
لا الصّحبُ لا الإخوانْ
مدِّي يديك مُبَايعاً باسم المنازلِ
زرتُها وسكنتُها.. وكتبتُ في جدرانها.. وهجرتُها!
باسمِ المآسي ذقتُها.. وجَرَعْتُ من أكوابها - سُحقاً - لآخرِ قطرةٍ..
وكسرتُها!