أنوار هادي الورى في كعبة الحرمِ
فاضت على ذكر جيران بذي سَلَمِ
وأرسلتْ نغم التوحيد عن ملَكٍ
كالرّوح منطلقٍ، كالزهر مبتسم
فمزج روحك بالروح التي ازدهرت
يُغنيك عن مزج دمعٍ ساجم بدم
وشمّك العطر فواحًا بروضتها
ألذّ من عشق ريم القاع والأكَم
ومن يَهِمْ بعظيمٍ يتَّحِدْ معه
بالرأي والفكر قبل الوسْم والأرم
والحبّ صنوانُ حبّ الروح خيرهما
فلا تكن للهوى الفاني بملتزم
يا ليتَ أحلام عمري لم تضِعْ بددًا
بحبِّ قصرٍ من الأوهام منهدم
وليتني لم أهِمْ إلا بمن عُرفوا
برقّة القلب لا بالظّلم والعَقَم
فكمْ حبيبٍ إذا خالفْتَ فكرته
جازاك بالصّدِّ قبل البحث في التُّهم
ومن يُساقِ حبيبًا صدَّ خمرته
وسِحْرَ ألحانه يندمْ وينفطم
فاربأ بنفسك أن تنهار من ألمٍ
واربأ بحسنك أن يربدّ من سأم
واجعل هواك رسول الله تلقَ به
يوم الحساب شفيعًا فائق الكرم
هذا رسول الهدى فارشُفْ على ظمأٍ
من وِرْده العذب عطفًا شاق كلّ ظمي
كأنّما قلبه ينبوع مرحمةٍ
مستبشِرٌ بالرؤى جذلان بالنَّسَم
يا أيّها المصطفى الميمونُ طالعُهُ
قد أطلع الله منك النور للظُّلَم
وحَّدْتَ ربّك لم تشرك به أحدًا
ولست تسجُدُ بالإغراء للصّنم
وكيف تشرِكُ بالرحمن آلهةً
لا يستطيعون ردّ الروح للرِّمم
عاديت أهلك في تحطيم بدعتهمْ
من ينصُرِ الله بالأصنام يصطدم
كأن ربّك لم يخلق لدولته
سواك من مُرسَلٍ بالحقّ معتصم
أدَّى الرسالة حتى ضجَّ من سأمٍ
أجنادُ إبليسَ واشتدَّ الأسى بهم
وأفلستْ بعد إقبالٍ جهنَّمُهُمْ
ولم تجد حطبًا في الأشهر الحُرُم
كأن أحمدَ بالأصفاد كبَّلهُمْ
فارتدَّ جيشهم المقهورُ بالسَّدم
شرعٌ على أقوم الأركان أسَّسهُ
للعالمين نبيٌّ طاهر الشِّيم
غذّى عُقولَ الورى حتى أتاحَ لهُمْ
عيشَ النَّعيم ونقَّاهم من الأثم
وعلَّم العُرْب حتى ساد نسلُهم
هامَ الممالك وارتاحتْ لعدلهم
كأنّما الشرعُ جزءٌ من نفوسهِمِ
فإن هُمُ وعدوا استغنوا عن القسم
قومٌ إذا استخصموا كانوا فراعنةً
وإن هم قسَّموا أرضوْكَ بالقِسَم
وخلَّدوا ملكهم ريَّان مؤتلقًا
وكل ما شادت الأطماعُ لم يدم
إنَّ الممالك إن شيدت على جشعٍ
تَفْرِسْ، ولا خير في الحيتان للبَلَم
وقد يملُّ الفتى بالشيب من أربٍ
ولا يملُّ عبيدُ المال من بَشَم
أتونُ نارٍ زفورٌ جدُّ محتدمٍ
والمالُ يهوي بخَلْق جدِّ مُزدحم
لو أدرك المرء أنّ المال تاركُهُ
لملَّ صحبة خوّان الودادِ عَمي
ولو درى العاشقُ الموتورُ كيف سلا
أحبابُهُ لم يبت يومًا بقربهم
كفاك همّاً فأهواءُ الدُّنا غُصصٌ
تودي بصفوك مثْلَ السمِّ في الدَّسم
والزهدُ راحةُ فكرٍ من متاعبه
فإن دعانا وأهملناه ينتقم
هِمنا بفانٍ فأغرانا وأذهلنا
وأيُّ قلبٍ بحبِّ الأرض لم يهم؟
أقولُ للمصطفى أَعْظِم بما ابتدعتْ
آيات برِّك من خيرٍ ومن نِعَم
لو يتبعُ الخلقُ ما خلَّدتَ من سُنَنٍ
لم يفتك الجهلُ والإعواز بالأمم
ولم ير الناس أحكامًا وفلسفةً
في الاجتماع ستُلقيهم إلى العدم
مذاهبٌ أحدثت في الأرض بلبلةً
وأورثتنا بلايا الحرب والإِزَم
أين الزكاةُ وأين العشرُ يحمله
أهل الغنى للألى ماتوا من السقم؟
هل كنت تبصرُ ما أودى بعالمنا
من قبل أن فاض بالويلاتِ والنقم
أم هل تنبَّأتَ عما تمَّ في زمنٍ
تسوده فكرة الإلحاد والنهم؟
نبوءةٌ حارب الجبار منكرَها
وروَّع الناس بالتعذيب والحُمَم
فيا نبيَّ الهدى حييت من عَلَمٍ
بالطهر مُتَّسمٍ بالعدلِ مُدَّعم
أحببت دينك لما قلت أكرمكم
أتقاكم، وتركت الحُكَم للحَكَم
وقلت إني هدًى للعالمينَ ولم
تلجأ إلى العنف بل أقنعت بالكلم
في دينك السَّمح لا جنسٌ ولا وطنٌ
فكلُّ فردٍ أخٌ يشدو على علم
الله أكبر، والأكوان فانيةٌ
ومن يَلُذْ بجلال الله لا يُضَم
سبحان من بيديه الملك أجمعُهُ
ويُرجعون إليه يوم بَعْثهم