يا ساجعَ الدَّوْحِ مَنْ أنبّاكَ بالسِّرِ
كيما تبوحَ بطّيّ القلبِ ما يجري
لَرَبّما الدّمعُ قد أوحى بنازلَتي
إليكَ أو ربّما من زّفْرَةِ الصَّدْرِ
فهل سَمعْتَ حَسيسَ النّارِ في كَبَدي
نفثتُها قافياتٍ ألهَبَتْ شِعْري
أم هل قرأتَ على خدّي ملامحَهُ
عليهِ قد كَتَبَتْ آهٍ من الدَّهْرِ
أو هل شكا كاهِلايَ الوِزْرَ من زَمنٍ
طَوَتْ رزاياهُ منّي قائمَ الظَّهْرِ
أم هل رأيتَ الأُلى زَمَّتْ ركائبُهمْ
فحمَّلوا معهمْ ما ظلَّ من صَبرْي
أم غُربةٌ قد نأَتْ بالنّفسِ جامحةٌ
تَستَلُّ من حَدَقاتي بسمَةَ الفَجْرِ
أم هَلْ رأيتَ جراحاتِ الحشا نَزَفَتْ
ويشتكي فمُها من مِخْلَبِ الغَدْرِ
أم هل جفاكَ شقيقُ الروحِ فاحتَجَبَتْ
عن ناظرَيكَ بليلٍ هالةُ البَدْرِ
يا ساجعَ الدَّوْحِ هل قاسيتَ ثاكلةً
توقَّدتْ في حَنايا الصَّدرِ كالجَمْرِ
فاقلِلْ نياحَ الجوى هل كنتَ تحسَبُهُ
أنْ يُبرئَ الجُرحَ، لا بل أضلُعي يُبري
كم أسجَعَتْ قبلُكَ الأطيارُ باكيةً
فهل يُبَلُّ لظى الحِرمانِ بالقَطْرِ
لا تُطفأَنَّ غليلَ القلبِ ساجعةٌ
هل يسقيَنَّ سرابٌ ظامئَ القَفْرِ
أَبثُّ حَسرَةَ صَبٍّ ليس يُدرِكُها
إلاّ فؤادٌ ذوى من شوقهِ العُذري
أو مِن مشيبٍ أقضَّ النَّفسَ مضجَعَها
فراحَ يروي شِعابَ القلبِ بالهَجْرِ
هل ترثوَنَّ سنيناً قد خَلَوْنَ أسىً
أو تبكيَنَّ قنوطاً آخَر العُمرِ