أيا نسمةً هبّت تُحدّثُ مهجتي
أتبكين مثلي أم تُسرّكِ لوعتي
سألتُ الدجى: هل مرّ طيفٌ لوجهِها
فأطرقَ، حتى ضاقَ صدري بحيرتي
وقالت نجومُ الليل: إنّا رأينَها
تُقَبِّلُ ضوءَ البدرِ قبل إشارتِي
فقلتُ: أيا بدرُ السماءِ تمهّلْ
فإني غريقُ الحسنِ فيكَ بعلّتي
أراكَ تُخاتلني وتخفي ملامحًا
كأنك تخشى من ظهور حقيقتي
أيا ليلُ، كم أخفيتَ سرّ صبابتي
وكم قد رعيتَ الشوقَ بين جوانحي
تئنُّ رياحُ السهلِ من حرِّ زفرتي
وتشكو الجبالُ الصمُّ طولَ شكايتي
ويَبكي الغمامُ إن ذكرتُ ابتسامَها
كأنّ دموعَ الغيمِ بعضُ مروّتي
أرى النهرَ يسري خاشعًا حينَ أذكرُ
خطاها، فيصغي مثلَ عبدٍ لطاعتي
ويحني غصونَ الروضِ حين أمرُّ به
كأنَّ انحناءَ الغصنِ بعضُ تحيّتي
وتهمسُ أوراقُ الشجرِ: صابرًا فتىً
فإنّ الليالي تنجلي بعدَ محنتي
أُحادثُ ظبيَ البيدِ عنها فيرتجفْ
كأنّي أصوّرُ حسنَها في رويّتي
فإن مرَّ برقٌ قلتُ: ذاك ابتسامُها
وإن لاحَ طيفٌ قلتُ: تلك خطوتي
وإن صاحَ طيرٌ في الفلاةِ توهّمتُ
بأنّ نداءَ الشوقِ بعضُ رسالتي
أيا شمسُ، إن غِبتِ استعرنا ضياءَها
ففي وجهِها ما يغني الشمسَ إن أتتِ
أحنُّ إليها والهوى يتملكني
كأنّ فؤادي في يديها رعيّتي
أُناجي سرابَ البيدِ علّي أراها
فيخدعني الوهمُ الجميلُ بعبرتي
إذا لاحَ ظلٌّ في الفضاء حسبتُه
يجيءُ ليُحيي في الفؤادِ بقيّتي
أُمدّ إلى الآفاق كفّي لعَلّني
ألامسُ طيفًا من شذاها براحتي
فيا ليتَ دربًا يجمعُ القلبَ بالمنى
ويُطفئُ ما ألقاهُ من حرِّ لوْعتي
فإنّي على عهدِ الهوى متضرّعٌ
أُناجي الليالي أن تعودَ بفرحتي
ألا هل ترى عيني جمالًا كحسنِها
وقد صرتُ من سحرِ العيونِ بأسرتي
سأبقى وإن طالَ الفراقُ مؤمِّلًا
فما خابَ قلبٌ عاشَ صدقَ مودّتي