تَهَامَسَ النَّفَسُ الْمُشْتَاقُ مُنْكَفِئَا
وَالْبَوْحُ يَكْتُمُهُ الْإِحْسَاسُ مُتَعَلَّلَا
لَمَّا تَنَسَّمَ مِنْهَا الْوَجْدُ فِي شَغَفٍ
وَارْتَدَّ قَلْبِي بِنَبْضِ الْعِطْرِ مُزَلْزِلا
أَيَّا نَسِيمَ الصَّبَا هَلْ مِنْكِ تَحْمِلُهَا؟
فَإِنَّهَا فِي دِمَائِي و نَبْضُهَا الْأَوْلَا
هِيَ السَّحَابَةُ إِنْ شَحَّتْ نَدَاهَا مَضَتْ
تَسْقِي ظِمَاءً وَإِنْ جَادَتْ فَاضَتْ هَطْلَّا
تَحْمُو جِرَاحِي وَفِي أَضْلَاعِهَا أَلِفٌ
مِنَ الْحَنَانِ يُحِيلُ الصَّخْرَ مُتَضَّائِلَّا
تُطِلُّ مِثْلَ بُدُورِ اللَّيْلِ فِي سَحَرٍ
فَتَسْتَفِيقُ لِرُؤْيَاهَا الْمَدَائِنُ شَلَّلَا
هِيَ الرُّؤَى لِخَيَالِي كُلَّمَا هَجَعَتْ
أَشْوَاقُ قَلْبِي، وَهَلْ يَسْلُو لَهَا مَثْلَا؟
تَسْرِي كَضَوْءِ الصَّبَاحِ الْعَذْبِ لِدَمِي
وَتَسْتَحِيلُ دُمُوعِي النَّغْمَةَ غَزْلَا
أَشْتَمُّهَا فِي نَسَائِمِ الْفَجْرِ إِذْ سَكَرَتْ
وَفِي الضِّيَاءِ إِذَا مَسَّ الرُّبَى ذُبُلَا
مَرَّتْ فَأَثْرَتْ بِالْأَنْفَاسِ نَشْوَتُهَا
حَتَّى غَدَوْتُ بِهَا مَجْنُونَهَا الْأَوَّلَا
أَشْتَمُّهَا فِي ضِيَاءِ الصُّبْحِ فِي أَمَلٍ
وَفِي الْمَسَاءِ إِذَا غَابَتْ وَإِنْ أَفَلَا
إِذَا تَنَفَّسْتُ عَانَقْنِي رَحِيقُهَا
كَأَنَّنِي فِي عَبِيرِ الْوَرْدِ مُكْتَحِلَا
وَإِنْ تَكَلَّمَتِ الدُّنْيَا بِمَا وَهَبَتْ
مَا أَنْصَفَتْهَا وَلَوْ أَسْهَبْتُهَا مُقَلَا
إِذَا تَبَاعَدَتِ الرُّوحُ الَّتِي سَكَنَتْ
صَدْرِي تَهَدَّمَتِ الْأَشْوَاقُ وَانْثَكَلَا
كَيْفَ السَّبِيلُ لِمَنْ فِي الرُّوحِ مَسْكَنُهَا؟
مَا زِلْتُ أَحْتَرِقُ الْمَهْجُورَ مُنْفَصِلَا
لَوْ كَانَ عِطْرُكِ يَشْفِي مَا أُصِبْتُ بِهِ
لَسَارَ نَحْوَكِ قَلْبِي شَاقِصًا عَجِلَا
يَا مَنْ سَكَنْتِ دِمَائِي فِي تَأَلُّقِهَا
وَصُغْتِ مِنْ هَمْسِهَا أَشْوَاقَهَا خَجِلَا
إِنِّي أُقَبِّلُ فِي الْأَنْفَاسِ مَوْطِنَكِ
وَأَرْسُمُ الْحُبَّ مَشْكُوًّا وَمُرْتَحِلَا
كَمْ غَافَلَتْنِي وَمَوْجُ الرِّيحِ يَحْمِلُنِي
إِلَى حَنَايَاهَا مَجْنُونًا بِهَا وَجِلَا
أَمْشِي وَظِلُّهَا فِي الْأَرْضِ يَحْرُسُنِي
وَيَهْدِرُ الشَّوْقُ فِي أَعْمَاقِهِ جَذْلَا
إِذَا تَنَفَّسْتُ كَانَ الْهَوْنُ يَكْسُونِي
فَكَيْفَ أُخْرِجُهَا مِنْ مُهْجَتِي سُبُلَا؟
هِيَ الْعَبِيرُ الَّذِي مَا زَالَ مُتَّصِلًا
بِوَجْنَتَيَّ وَفِي أَرِيجِ رِيَاحِهَا نُزُلَا
إِذَا غَدَتْ، غَابَ عَنْ أَرْوَاحِنَا أَمَلٌ
وَصَارَ دَرْبُ الْمُنَى فِي طُولِهِ وَحْلَا
يَا لَيْتَهَا حِينَ تَجْفُو لَا تُغَادِرُنِي
فَقَدْ غَدَوْتُ بِهَا مَجْنُونَهَا الْأَزَلَا
كَمْ زُلْزِلَتْنِي رِيَاحُ الْبُعْدِ وَاحْتَرَقَتْ
أَضْلَاعُ قَلْبِي وَمَا زَالَتْ بِهِ تَشْتَعِلَا
لَوْ يَسْأَلُونِي مَتَى يَخْلُو هَوَى زَمَنِي
قُلْتُ: اقْطِفُوا مِنْ نُجُومِ اللَّيْلِ مُكْتَمِلَا
أَنْفَاسُهَا أَبَدًا تَحْيَا بِمُهْجَتِنَا
كَمَا يَحِلُّ الْعَبِيرُ الْعَطِرُ فِي الْوَجَلَا