أَمِنْ بَعدِ وَصلٍ قدْ تقضّى زمانُهُ
أُسائِلُ قلبًا بالأسى يتلوَّنِ
تباعدَ ركبُ الأنسِ عنّي فلمْ أجدْ
سوى الذكرِ يُحيي في الضلوعِ التأنُّنِ
أُقَلِّبُ أيّامَ الصفاءِ كأنّها
نجومُ ثناءٍ قد توارتْ عنِ المَنَنِ
وما كنتُ أدري أنَّ للبعدِ لوعةً
تُذيبُ صميمَ القلبِ غيرَ تَهَوُّنِ
إذا هبَّ نسّامُ المساءِ تهيَّجتْ
جوانحُ نفسي نحوَ عهدٍ مُعَيَّنِ
فأُبصرُ طيفًا في الخيالِ كأنّهُ
بقايا سنا الأيامِ في الليلِ مُعْلَنِ
أُكابرُ ما بي كي أُرى غيرَ مُشتكٍ
وفي الصدرِ نارٌ لا تُدانى ولا تَفْنِي
إذا لاحَ برقُ الوصلِ في الأفقِ خلتُهُ
رسولَ رِجاءٍ جاءَ من بُعدِ مَزْمَنِ
وأرنو إلى الأفقِ البعيدِ كأنَّهُ
يُخبّئُ من أيّامِنا سرَّ مُؤتَمَنِ
سقى اللهُ عهدًا كانَ أصفى مُنقضًى
كظلِّ غمامٍ مرَّ في روضِ أزمنِ
فإنْ غابَ عن عيني جمالُ مواصلٍ
ففي القلبِ منهُ صورةٌ غيرُ مُوهَنِ
أعيشُ على ذكرى تُعيدُ صبابتي
وتبعثُ في قلبي ارتواءَ التذمّنِ
وأصبرُ حتى ينقضي كلُّ ما جرى
ويُكتبُ في ديوانِ صبري تبيُّنِ
فلا الدهرُ أطفأ ما بقلبي من الجوى
ولا الريحُ بدَّدتِ الهوى المُتَمَكِّنِ
سأبقى على عهدِ الوفاءِ مُتيَّمًا
وإنْ طالَ في البُعدِ امتدادُ التفرُّنِ
فإنَّ الهوى في القلبِ باقٍ وإنَّما
تبدّلَ وجهُ الدهرِ دونَ تفرُّنِ
إذا ضاقَ صدري قلتُ: صبرًا فإنّني
على وعدِ وصلٍ لم يزلْ غيرَ مُؤمَنِ
وأحملُ وجدي في الضلوعِ مؤمَّلًا
لقاءً يُعيدُ الروحَ بعدَ التلوُّنِ
فيا ليتَ أيّامَ الصفاءِ تعودُ لي
فأطفئَ نارَ الشوقِ في قلبِ مُفتَنِ
وما زلتُ أرجو أن يجيءَ زمانُنا
فيجمعَ ما فرّقتهُ أيدي التفرُّنِ
وأبقى كما كنتُ الذي لا يُبدِّلُ
وفاءً ولا ينسى جميلَ التديُّنِ
وإنْ طالَ ليلي في الفراقِ فإنّني
أرى الصبحَ آتٍ من وراءِ التظنُّنِ
أُحدِّثُ نفسي أنَّ بعدَ صبابةٍ
سيأتي رضًا يمحو صدى كلِّ أحزُنِ
فإنَّ الليالي مهما طالتْ فإنّها
تُفرِّجُ همًّا بعدَ طولِ التهَوُّنِ
وأحفظُ عهدَ الحبِّ ما دمتُ حيًّا
وأجعلُهُ نورًا يضيءُ التديُّنِ