تخطَّ إلى المحتوى

تجزع الأضواء من شوق إلينا

الرمل

٤٨ بيت

الحماسة

تَجْزَعُ الأَضْواءُ مِنْ شَوْقٍ إِلَيْنَا

وِيَحُزُّ النَّفْسَ أَنْ عَزَّ اجْتِبَاهَا

تَهْرُبُ الشَّمْسُ مِنَ القَيْدِ لِتَنْجُو

وَتَخُطُّ النُّورَ في أَعْلَى مَدَاهَا

تِلْكَ في السِّجْنِ حُرُوفِي قَدْ تَمادَتْ

في سَوادِ الهَمِّ.. مَا أَقْسَى رَدَاهَا

كُلُّ حَرْفٍ خَاضَ حَرْباً في دِمائي

دُونَ حَقٍّ.. ضَاعَ في الحَقِّ صَدَاهَا

تَنْظُرُ اليُمْنَى فَتَنْسَى كُلَّ الشمال

في جِنانِ الخُلْدِ قَدْ ضَاعَ شَذَاهَا

رُسِمَتْ كَفِّي بِثَغْرٍ بَاسِمٍ

بَعْدَمَا القَيْدُ بَكَاهَا وَرَمَاهَا

تَنْظُرُ الآفاقَ تَرْجُو مَوْعِداً

أَيْنَ مَرْسَى الرُّوحِ؟ أَيْنَ مُبْتَغَاهَا؟

تَعْبُرُ السَّاعاتُ عُمْراً جَائِراً

تَسْحَقُ الأَيَّامُ صَبْراً قَدْ طَغَاهَا

مَا حَسِبْتُ الوَقْتَ عَدّاً قَبْلَ ذَا

في مَسَارِي كَمْ ثَوَانٍ قَدْ رَعَاهَا!

هَتَفَ العُصْفُورُ مِنْ خَلْفِ السِّياجْ:

هَلْ رَأَيْتَ الشَّمْسَ في أَبْهَى ضُحَاهَا؟

عَظَمَةُ الإِشْرَاقِ خَيْلٌ جَامِحٌ

تَسْبِقُ الرِّيحَ إِذَا عَزَّ غَلاهَا

صَهَلَ الجَوادُ بِعِزِّهِ في لَحْظَةٍ

نَطَقَ الصَّهيلُ حَنينَهُ.. مَا أَغْلاهَا!

في عَيْنِهِ ظُلَمٌ تُريدُ مَحَاجِراً

تَبْكِي الجِيَادُ بِلَوْعَةٍ مَحْيَاهَا

أَبْكَى الجَوَادَ أَسِيرُهُ في قَيْدِهِ

يَرْوِي الظَّمَا عَنْ رُوحِ مَنْ يَهْوَاهَا

أَصْفَادُ حَرْبٍ قَدْ عَلَتْ سَاعِدِي

وَالكَفُّ تَصْنَعُ لِلْحَيَاةِ كِتَابَا

سَاعِدْ بَرِيقَ الفَجْرِ فِي جَلَيَانِهِ

صَارَ الصَّهِيلُ مِنَ الأَسَى إِرْبَابَا

أَوْصِدْ قُيُودَكَ في يَدَيَّ وَشُدَّهَا

وَأَغْلِقْ بِغُلِّكَ لِلْعُيُونِ بَابَا

أَلْقِ العَذَابَ عَلَى عِظَامِي إِنَّنِي

أَبْغِي مِنَ الحُرِّيَّاتِ عَذَابَا

عَظْمِي أَبَ أَنْ يَذِلَّ لِظَالِمٍ

أَوْ أَنْ يَخُونَ العَهْدَ وَالأَحْقَابَا

ارْمِ الغُلَالَ فَإِنَّنِي لَكَ قَادِمٌ

أَمْضِي إِلَى نَصْرِي المَجِيدِ إِيَابَا

عَزَلُوا العِظَامَ وَمَا دَرَوْا أَنِّي امْرُؤٌ

يَجْتَابُ شَوْقاً.. طَاهِراً.. أَوَّابَا

في "الِانْفِرَادِي" كَانَ قَلْبِي عَاشِقاً

يَهْوَى السَّلاسِلَ لِلْفِدَا جِلْبَابَا

اشْدُدْ عَذَابَكَ فَوْقَ جِسْمِي إِنَّنِي

أَلْقَى بِحِقْدِكَ رِفْعَةً وَثَوَابَا

صُبَّ الحُقُودَ عَلَى كَتِيفِي إِنَّهَا

تَحْمِي بِلاداً.. تَسْتَحِقُّ شَبَابَا

عَيْنِي تَرَى الوَطَنَ العَزِيزَ مَنَارَةً

وَأَنَا لأَجْلِ حِمَاهُ صِرْتُ تُرَابَا

أَسْعَى بِكُلِّ الصَّرْخِ كَيْ أَغْدُو "مُنَادَا"

وَأَهُدُّ مَنْ بَغَى في العَطَا.. إِبَادَا

لَكَمَاتُكُمْ تَعْدُو عَلَى وَجْهِي هُنَا

كَمْ ذَا يُعَادُ الأَمْسُ لِي.. أَنْكَادَا!

أَمْسِي كَيَوْمِي في العَذَابِ مُكَرَّرٌ

وَالشَّبْحُ في "زِنْزَانَتِي" قَدْ زَادَا

وَقْتٌ يُزِهقُ الرُّوحَ.. لَكِنْ خَافِقِي

أَبْقَى البِلادَ.. مَحَبَّةً وَوِدَادَا

سَجَّانُ يَمْحُو بِالعَصَا عَظْمِي وَمَا

يَدْرِي بِأَنَّ بِلادِيَ.. المِيقَادَا

يَمْحُو الجَمَاجِمَ.. غَيْرَ أَنِّي صَامِدٌ

أَهْوَى البِلادَ.. وَإِنْ غَدَتْ أَصْفَادَا

كَادَتْ كَمَائِنُهُمْ لِيَ.. مَا أَخْشَاهَا

خُضْنَا الصِّعَابَ.. تَرَانِيماً هَوَاهَا

هِيَ لِلْبِلادِ.. لِمَنْ تَيَمَّمَ حُبَّهَا

نَفَسُ النَّسِيمِ.. يُعِيدُ رُوحَ مَوْتَاهَا

عَصْمُ الجِرَاحِ عَلَى جِرَاحِيَ ضِمْدَةٌ

سَكَنَ الوِئَامُ سِلاحَنَا.. فَأَمَاهَا

عَيْنِي تُقَدِّسُ بِالأَلِيمِ مَوَاقِفاً

مِنْ بَيْنِ آهَاتِي.. نَرَى مَرْسَاهَا

أَتُطَاوِلُ القَامَاتِ "يَا ابْنَ حُمَيْرَةٍ"

وَأَبِي شَهِيْدٌ.. نَالَ أَعْلَى جَاهَا!

أَخِي الجَرِيحُ.. وَأُمُّ قَلْبِي دَمْعُهَا

يَجْرِي فَيَسْقِي بِالوَفَا مَقْلَاهَا

صَفَدُ الأَكِفِّ عَلَى يَدَيَّ.. وَعِبْرَتِي

أَنِّي حُدُودَ الأَرْضِ كَمْ أَهْوَاهَا!

أَنَا مَا لِيَ الدُّنْيَا سِوَى وَطَنِي الَّذِي

عِشْتُ الحَيَاةَ لِكَيْ أَرَى مَحْيَاهَا

لَنْ نَبِيعَ يا"ابْنَ حُمَيْرَةٍ" أَرْضاً لَنَا

أَوْ نَخُونَ مَرَاسِئاً نَرْعَاهَا

صَمَدَتْ خُطَانَا لِلْغُوَاةِ وَغَارَةٍ

وَوَقَفْتُ أَنْحَرُ غِلَّهَا.. عِيدَاهَا

تَنَاثَرَتْ أَشْلَاءُ مَنْ حَمَلُوا العُهُودْ

تَلَاقَتْ بِأَشْلَاءٍ.. نالت خُلُودَا

قَلْبِي يُعَذَّبُ فِي ثَرَى "فِلَسْطِينِنَا"

وَلَهُ نَبْضٌ.. لَنْ يَكُونَ عَبُودَا

يَسُرُّ بِأَسْرِي الثَّائِرِينَ لِعِزِّنَا

صَانَتْ فِعَالُ رِجَالِنَا.. المَعْهُودَا

حَامَتْ عُيُونُ الأُسْدِ تَرْقُبُ أَرْضَنَا

فِي قَلْبِ كُلِّ مُقَاوِمٍ وَطَنٌ بَدَا

يَأْبَى القُيُودَ.. وَلَنْ يَكُونَ سَجِيْنَا

دَمُنَا عَلَى جُرْحِ البِلَادِ ضِمَادَةٌ

تَسْقِي اليَقِينَ.. فَتُنْبِتُ الزَّيْتُونَا

إِنْ كَانَ جِسْمِي فِي السُّجُونِ مُكَبَّلاً

فَالرُّوحُ حُرَّةٌ..

تَسْكُنُ "فِلَسْطِينَا"