لا تبكِ يا ولدي
وكنْ أقوى مِنَ الأرضِ الّتي ابتلعتْ خرائطَ غربتي تسعينَ عامًا
لمْ أقلْ فيها كلامًا
نَبْتُهُ ينمو على شفةِ الزّمانْ
وحضنتُ صمتيْ
مثلَ آبائيْ القدامى
لمْ أكنْ يومًا نبيًّا
كي أهُزَّ
عروشَ مملكةِ الدّخانْ
بل كنتُ فلّاحًا بسيطًا
أشتهي ماءً
وخبزًا ساخنًا
مِن كفِّ أمِّكَ
هذه الحبلى بأثمارِ الحنانْ
لا تبكِ يا ولدي
فإنّي صاعدٌ
لأرى انسحاقَ هزائمي
وولادتي حُرًّا
مِنَ المنفى
ومِنْ ذاتي
ومِنْ صخَبِ المكانْ
وانظرْ إليَّ
هناكَ تحرسُني ملائكةٌ
وتسقيني
وتبني ليْ مساكنَ بهجةٍ
وتُعيرُني جُنْحَ الأمانْ
لأطيرَ فوق سحائبِ الآتي
الّذي لا ينتهي أبدًا
ولا أخشى بهِ موتًا
يلاحقُ خطوتي
لا تبكِ يا ولدي
وخبّئْ دمعَكَ الغاليْ
ليومٍ سوف يأتي
قاتمًا
مُرًّا
ثقيلًا
فيهِ تغزوكم جيوشٌ كالجرادِ
تدوسُ كلَّ حقولِكم
وكرومِكم
فيموتُ في أطلالِها نغَمُ الجِنانْ
ومضى أبي
كحمامةٍ بيضاءَ يبغي مجدَهُ
لمْ أبكِ
بل أصبحتُ أرقُبُ يومَنا هذا
فجاءَ مُحمَّلاً بغبارِ خيبتِهِ
وأَسقَطنا كقتلى
لا قبورَ لهم
أبي
كم كنتَ تعلمُ
أنّنا سنموتُ قبلَ وفاتِنا
فالآنَ
دعني كي أنوحَ
وأشتكيْ
فلدمعيَ المدرارِ قد آنَ الأوانْ