وَتَحَمَّلَ الأهوالَ فَوقَ الأنْقِبَاءْ
في لَيلِ مكَّةَ قد أَضاءَ سُكونَهُ
نُورُ الهُدى وَتَهجُّدٌ في غَارِ حراءْ
وَالصِّدقُ يَصحَبُهُ بِقَلبٍ واثِقٍ
والحقُّ دَربُهُ وَنَهْجُ كُلِّ الأَنْبِيَاءِ
سَارَا وَفَوقَ الدَّربِ جُندٌ خُبِّئُوا
فَغَشِيَهُم سِترُ العَظِيمِ وإفتداءْ
فالغَارُ أَوصَدَ فَاهُ عَن أَعدَائِهِ
والعَنكَبُوتُ بَنَتْ رِدَاءً كَالغِطَاءْ
وَالوَرقَةُ الخَضرَاءُ تُخفِي خُطْوَهُ
وَالكونُ يُنشِدُ فَوقَ دَربِهِ بالدُّعَاءْ
قَصَدَ المَدِينَةَ وَالهُدى فِي خَاطِرٍ
وَالمُزنُ يُهلِلُ فَوقَهُ بَشَرا وَمَاءْ
قَدْ لَاحَ بَدرُ المُصطَفَى فِي أُفُقِهَا
فَانشَقَّ قَلبُ العَتمِ عَن ضَوءِ السَّنَاءْ
جَاءَ الحَبِيبُ وَكُلُّ يَثْرِبَ أَشرَقَتْ
وَارتَاحَ في ظِلِّ النُّبُوَّةِ من يشَاءْ
وَغَدَتْ لَيَالِيهَا تُضَاحِكُ فَجرَهَا
فِي كُلِّ صبح أَو دُجَى يَعلُو نِدَاءْ
صَلُّوا عَلَيهِ فَكُلُّ مِنبَرِ هَاتِفٌ
قدِمَ الرَّسُولُ وَأشرَقَتْ كل الدنا
يَا طَيبَ مَجْلِسِهِ، يَا فَخرَ أُمَّتِهِ
فِيهِ اكْتَمَلْنَا، وَاكتَسَينَا بِالوَلاءْ
لَمَّا أَتَى طَهُ تَهَلَّلَ وَجهُهُمْ
وَتَزَاحَمَتْ نَفْسٌ تُرِيدُ لَهُ الفِدَاءْ
قَالُوا: أَقِمْ عِندِي، فَأَنتَ مُحَبَّبٌ
وَالرُّوحُ تَشتَاقُ المُقَامَ مَعَ الهُدَى
فَأجَابَهُم: «دَعُو القصواء فَإِنَّهَا
مَأمُورَةٌ، تَختَارُ لِي خَيرَ البقاءْ»
حَتَّى بَلَغْنَا فِي المَدِينَةِ مَوقِفا
فِيهِ المُنَى، و السَّمَاءُ بها صفَاءْ
فَبنَى المَسِجدَ، يا رُوحَ التُّقَى
يَا بَذرَةً أَزهَتْ، وَنُورًا فِي الضِّيَاءْ
كَانَتْ يَدَاهُ تُشْارِكَ القَومَ البِنَاءَ
لا يَرتَضِي أَن يُرفَعَ البُنيَانُ جَزْاءْ
وَالعَودُ يَعلُو فَوقَ طِينٍ طَاهِرٍ
فَكَأَنَّهُ سِرٌّ تَجَلَّى فِي الإِبَاءْ
فِي ظِلِّهِ نَشَأ الإِيمَانُ وَانقَشَعَتْ
عَن أَهلِهِ سُحُبُ الغَمَامِ وَكُلُّ دَاءْ
صَلُّوا عَلَى مَنْ فَاضَ نُورًا وَاقتَدَاءْ
مَنْ جَاءَنَا بِالحَقِّ وَارتَادَ العلَاءْ
صَلُّوا عَلَى مَنْ فِي القُلُوبِ مَكَانُهُ
نَبْعُ الرَّحِيمِ وَمِسكَةُ عَطْرِ النَّقَاءْ