شَهِدَ الزمانُ شهادةً تتأصَلُ
أنَّا على مَرِّ الزمانِ الأفضلُ
والأرضُ تألفُ عِزّنا وسماؤها
علمَ الجنوبُ وليس يُنكرُ شمألُ
تزهو بنا تلك القرونُ جميعُها
ذاك العتيقُ وصِنْوُهُ المستقبلُ
واسمع لسانَ الفضلِ في إنشائه
غنّى مآثِرَنا بِشجوٍ يَهْدِلُ
حسنُت بلاغته وفاض بيانه
لما تفقَّد أهلُه فتهللوا
ومآذن الحق التي صدحت به
حملت صدىً فوق العلا يتنقل
لم يأتِنا خُلُقُ
الكرام تجَمُّلا
لكِنَّنا بين الكرامِ الأجملُ
ما إن مررنا في الشعاب فرِيحُنا
مِسكٌ وفلٌ زانَها وقَرنْفُل
صُدُقٌ إذا قلنا وإنّ وفاءنا
بالوعد مشهودٌ جَلِيٌّ أمثلُ
فارفعْ أُخَي هنا جبينَك إنّنا
أهلُ الفضائلِ ثوبها نتسربل
فالمجد أرضك والمكانة منزل
والعز فوق رؤوسنا يتنزل
خضعت لنا الدنيا ودانَ زِمامُها
وصعابها صارت لنا تتزلَّل
تتكسر الأهوالُ تحت خيولنا
والآخرون تقاسموا ما يَسْهُلُ
أحلامنا غُرِست على أرض العلا
فتألقت فوق السحائب تُحمل
فاق الذي حُزْنَا الخيال وأنجزت
أفعالُنا العجَبَ الذي لا يُعْقَل
ولطالما دُهِشَ التحدِّي بينما
بذلت سواعدُنا الذي لا يُبذل
ولنا أوَى قِسطاسُ عدلٍ يحتمي
مَنْ غيرُنا بين الخلائق يفصِل؟
وتألق الشَّرفُ الرفيعُ يحوطُنا
ينبيك أنا في العباد الأنبل
من قبل أن نمحو الظلام تألمت
هذي الليالي للضيا تتوسل
بئر معطلة يشيح سقاؤها
وورودُها بين القنوطِ مُعطَّل
فتيبست بدلائها وتمنَّعت
عن كل ظامئةِ الشفاهِ تَبتَّل
حتى بهاء الروض أمسى قاحِلا
وبدت رموش الورد فيها تذبل
لما ملكنا الأرض أبدت خيرها
وهمى على يدنا السحابُ المُرسَل
فرنَت عِذابُ الشهد نحو شفاهنا
وطوى نفوسَ الحانقين الحنظل
حين احتوت حِممُ الصّدى زفراتِهم
كنّا من الكأس العذوبة ننهل
بعَدائِنا شُغلت نُهى من أحجموا
عن كل خيرٍ لا أُبَالك جُهَّل
إن أشرقت شمسُ الفضيلةِ هالَهم
وضَحُ النهارِِ فحاربُوه ووَلْوَلُوا
نحنُ الأُلى ما كان فينا مدبرٌ
يخشى اللقاءَ بعُمرِه يتعلل
وإذا رأيتَ فإن ذاكَ تَحَرُّفٌ
وتَحَيُّزٌ قدْ بانَ فيه المُقبِلُ
نبني قصورَ شجاعةٍ ومِلاطُها
دمُنا ونارُ عزيمة لا تَخْذُل
لا نرهب الموتَ الذي ارتجفت له
نفسُ العبيدِ فكُبِّلوا وتسلسلوا
لم نُلْقِ بالاً للصُروفِ وزحفِها
مَنْ بالمنايا مثلُنا لا يَحْفَلُ؟
عنّا تُحدِثُكَ السُّهولُ تعَجُّبَا
مِمّا صنعنا و الرُّبَى تتقلقل
وتخِرُ لو صاحتْ حناجرنا الذُّرَى
والطَّود عِند ثباتِنا يتزلزل
سُئِلَ الوغى بين المعامع فانبري
وأهَالَ عند جوابه من يسأل
برزت سيوف الهند تنثر فتكها
فتقطعت والفرد منا أعزل
تخبو لهيجتنا وتطفئ نارها
همم ويخفت عزمُا المُستشعَل
والريح تصرخ بالمناذر قبلنا
جاء البواسل بالمنية فارحلوا
فتعود أقدام العدا أدراجها
وتغيب أخماسٌ ويهوِي جحفل
كغزالة برزت لترعى في الفلا
فإذا رأت بأس الضراغم تجفل
أو كالظلام بدا مهيضا زائلا
متقهقرا بيد الوضاءة يرحل
إنا كماةٌ والرسول زعيمنا
وقلوبنا من بأسه تستبسل
قوم إذا ما النقع ثار استبشروا
وتعجلوا نصرا بظفرٍ يرفل
قد سهلوا عنت الصعاب فأومأت
وأرى الذي قد صعبوا لا يسهُل
فإذا ابتليت ببأسهم نُلْ مهربا
قد لا يفيدك من هلاكك معزل
يتسارعون إلى النزال كأنهم
رمقوا به ظلّ الجنان فهرولوا
وتواثبت نحو الشرى أنفاسهم
حرّى وغامرها النداء فهللوا
وعلت أناشيد العُلا آفاقهم
وكأنهم عشقوا هوىً وتغزلوا
ولكل فخرٍ في البرية منقصٌ
لكننا حين افتخرنا الكُمّل
إن الذي رفع السماء أرادنا
أمضى الورى وبنا النبي المرسل