عِش نصف عمرك مشتاقا معانيها
ودع بقيته تسكنْ مغانيها
من عهد آدم والأسماع تشهدها
وللقيامة قد ألقت مراميها
الدهر يبسط في الأرجاء رائحها
والقدر يرفع للآفاق غاديها
حديثها في فسيح الأرض منطلق
كأنه لم ينل قدرا بماضيها
وجاز سابِقُها في كل ناحية
كأنه لم يدع شيئا لآتيها
بها الكتاب الذي اكتظت خزائنه
أمدّها بمدادٍ كان كافيها
قد أوتيَتْ بأمين الوحي معجزة
"اقرأ" بلاغتها من ذا يضاهيها
في متنها نشهد الأخلاقَ باسقةً
شمّاءَ شاهقةً يعتزّ راجيها
بالحق والعدل للإنسان ذاخرةٌ
وكم أفادت بلا منٍّ مماريها
في قولها حكمة يزهو اللسان بها
وينتشي طربا من كان شاديها
الدرّ معدنها والعلم ديدنها
والذكر أحسنها والرب راضيها
النور باثِقها والحسن موْنِقها
والحُلو منطِقها والقزُّ كاسيها
ولم تدع ظلمةً يشقى مُطالِعُها
كأنها البدر تسري في لياليها
على ربوع الورى خطّت فضائلها
هذي السبيل التي ما ضلَّ ماشيها
وأغدقت يدُها خيرا كمن سكبتْ
غيثا هتونا على أقداح واديها
وأدهشت أعينا للناظرين لها
منمنماتٌ عجيباتٌ مثانيها
مساؤها قمرٌ فوق الربا وصَبا
هبّت وأخبَرَنا هذا الشذا فيها
وأسأل خليلك يا مشتاق ما فعلت
تلك العروض وما قالت قوافيها
هل تنعم الأذْنُ والأبصار إن أفلت؟
وهل يطيب حديث دون داعيها
عبّ الغرام كؤوسا للنسيب بها
والعشق غرّد في شوق أغانيها
بالسحر دون العصا دان البيان لها
وللبلاغة شأن في أراضيها
ففي المغارب ما خارت عزائمها
وفي المشارق ما خابت مساعيها
جاء الأعاجم يشتاقون طلعتها
فهلْ مجالسُ أهليها تجافيها؟
يا بحر قلتُ وما في القول من كذب
فالفلك تجري بها واسأل صواريها
ولا تخف في عباب قد هدرت به
فالتيه يبطل إن بانت مراسيها
النحو يضبط بالأعراف داخلها
والصرف يصرف نحو السهل آتيها
لم تنْبُ أيدي الأُلى ضموا محاسنها
لم يخْبُ من نال من أسرار ما فيها
يفوز حاجِبها، يحوز صاحِبها،
يجوز ناخِبها والعدل قاضيها
ما ضاع طارقها، يغوي مفارقها،
يختلّ تاركها يعتلّ شانيها
أهل اللغات التي تاهت بلثغتها
ركودهم آسن والعذب جاريها
إن كان كل الذي يجري بأي فمٍ
ما زال يشرب كأسا من سواقيها
ما جاء قولٌ لدى أترابها ألقا
إلا وقد صار عند العدِّ تاليها
تلقفت ما أتاك الساحرون به
وأبطلت ما جنت أيدي مُعاديها
بيضاء ناصعة كالطهر في برَدٍ
من روعة الفل قد أملت حواشيها
صفراء فاقعة مثل الفلا اتسعت
لكنها واحة تسقي بواديها
خضراء يانعة تزهو الحقول بها
من مفردات تهادت في ضواحيها
زرقاء ساحرة كالبحر في صدف
أو كالسماء صفت قد جل باريها
حمراء قانية أم أنها صبغت
من هول ما في الوغى نالت مواضيها
سوداء كاحلة في عين جاهلها
تخفى المحاسن عن عين تعاديها
مصونةٌ ربُها بالذكرِ يحفظُها
جل الذي كان للقرآن هاديها
قد شرف الطاهر العدنان معجمها
ومن جوامعها أبدى العلا فيها
خير الذي قال ضادا في مرابعها
وأحسن القول يربو في روابيها
مسك الختام بحبر العطر أحمده
وبالعبير على روضي أناديها