تخطَّ إلى المحتوى

عندما أخرج ويسود الظلام ماذا يحدث في المكتبة

غير معروف

٢٩٢ بيت

المتفرقات

عندما أخرج ويسود الظلام، ماذا يحدث في المكتبة؟ !

غرفةٌ مظلمة

حينما أتذكر ليلى التي سألتني:

إلى أين؟ كنتُ أفكر بالليلِ يفتح نافذةً للحقيقة

بالفجرِ يمسح رأس المعاني الرشيقةِ

ثمَّ تسير التفاصيلُ صامتةً مبهمة

و أفكّر بالسنواتِ الطوالِ التي تتقضى رويداً رويداً

على صحبةِ الورقات الطريّةِ

في صحبة المكتبات الأنيقة

في زحمة الأرففِ الجانبيةِ

في رِفقة الطبعاتِ القديمةِ

كنتُ أفكِّر لكنها التمتمة

ثمّ كانت تقول:

متى تعرف اللحظة الملهِمة؟

ثمّ تغمرني بالبكاءِ الحزينِ

وتجرفني القُبلةُ المفعَمة

غرفةٌ مظلمة

يستعيدُ ابنُ خُلدون أشياءَهُ

ولياقتَهُ

حينما أُغلقُ الباب يسخرُ

من كثرة الدارسين لما خطّه في بعيد القرون وما تمَّمه

ويعيدُ التفاصيلَ

معنى العروبةِ

ِلون القصيدة

صوت البداوةِ

أنْ تتردَّد في جهةِ القلبِ

سنبلةٌ هائمة

غرفةٌ مظلمة

نقرةٌ في الجدار

يتحسَّسُ أنَّ أصابع كفّي

على مقبض الباب تخفتُ ثمّ يفيضُ الظلامُ

و تبدأ أعينُهم بالدُّوار

ويعمُّ الهدوءُ الزحام

ابنُ فرناس

يسمع صوتَ ابن سينا

يناقش (إدْسُونْ)

بالدماء التي ترتخي عندما تتجلی هنا الكهرباء

بالحروف التي تتراقص أو ستطير إذا ما تراخى الضياء

و يودُّ بأن يستفيض ولكنها

الغرفةُ المظلمة

َوهما يعشقان الخصومةَ

َلا يعرفان الهدوء

َولا يكتمان القصيدة

َلا يتركان الحبيبة

ِأقسى تفاصيلهم في الهجاء

وفي اللغة المؤلمة

وهما ها هنا

ِّهادئان على الرف

ملتصقان يعايش صوتُهما اللحظةَ المعتمة

فأما جرير فيعشق صبر الفرزدق

يهوى الفرزدقُ صوت جريرٍ يسلِّيهِ: (إنَّ العيون التي)

ثم يُكمل في

الغرفة المظلمة

وتثيرُ بقايا الفناجينِ

رائحة الورقاتِ

يهمُّ النواسيُّ أن يتناول فنجانَه

ثم يدعو رفيق الرفوف النَّسائيَّ

يستمعان النشيد وقرعَ الفناجين في

الغرفةِ المظلمة

ينكزُ المتنبي جبينَ العثيمين

ثمَّ يكظمُ بسمتَه عندما

يبصرُ الطبريَّ الكبير يحاور (إليوت) في جهة مبهمة

ولقد يجمع اللهُ

أقسى الشتيتين في

غرفةٍ مظلمة

ذاك طه حسين

يتفقدُ أرضَ امرئ القيس

في الخزائن يسألُ

وسط الدفاتر يسألُ

عند النوافذ يسألُ

لم يتوقف بليلی وقيس

ثم فاجأه في

الحوار الطويل مع الليل لم ينجلِ

ثم نحن غريبان في

الغرفةِ المظلمة

يتأكّد أني خرجتُ

وأنّ الظلام يسود المكان

يتنزّل من رفِّه المتنحِّي

ليشرب ما قد تبقّى من القهوة العربيةِ

أو يتعاطى الدخان

ابن عُوني هنا

وحديثُ الزمان

ثم تشعل أشعارُه

الغرفة المظلمة

يتأنَّى المعرِّي

يتحسّس طيف نزارٍ

وخصلةَ شَعر لميعة

ثم يرمي عصاهُ بدائرةٍ في الهواءِ

الطليق

هذه ليلتي

لو عروس من الزنجِ

صاحت

لما التفتت نحوها

ُأعين

الغرفة المظلمة

كان حُرَّاً ببحبوحة المائة الخامسة

عاش رهن المحابس لكنّه الآن

في

غرفةٍ مظلمة

يتمطَّى

ابنُ تيميّةٍ في ضجيج العقول وفي الجهة الساكنة

ثمّ مدّ ذراعاً من المئة الثامنة

يتساءل ما الفرقة الناجية؟

وبماذا يكون الجوابُ الصحيح؟

ومن سيزاحمه في سكون الرفوفِ

ويغضب حين يرى المنطقيةَ

في أرففِ الوردِ

لكنّه يتسلَّى إذا هبّت الريحُ من جهة الذهبيِّ

هناك بزاوية

الغرفةُ المظلمة

تبرقانِ

عيونُ ابنِ بطوطةٍ تهجمان على زحمة الشعرِ والسحرِ

والفخر وسط الرفوف الأنيقة

بالسرد والنثر والقصة الأجنبية

يهوى الرحيل

َيحبُّ التنقُّل

يدنو من الباب

من شرفةٍ في الجدار

يشاهد نجماً بعيداً

ويستشعر الغربة المرحليَّةَ لكنها

الغرفة المظلمة

يتجول طيفُ ابن بازٍ يودّ الوصول إلى مجلسٍ

لابن حنبل

أو فرجة في رفوف الأحاديث

يخشی مجاورة الشعراء

ومن كتبوا في النجوم

وصوت المعازف

يطربُ - لو مرةً - جاء

صوتُ المؤذن يوقظهم

ويعيدُ البريقَ إلى ما يموتُ

ولكنها

الغرفة المظلمة

لمعةٌ وهيف

يتزحزح عنترةٌ كي تمرَّ النساء الجميلات

ُليلی ونازك

ٌعائشة

والرباب

ثم حين رأى العرَجيّ يغازل عبلةَ

شدّ عمامته

واستعان بسيف الشرف

تبرقُ الآن عينٌ

ويمتلئ الرفُّ بالوردِ

والنخلِ

والصفحاتِ السعف

وهم الآن في

غرفةٍ مظلمة

يتحول فكر ابن سينا

يُجَدول أرقامه في هدوءٍ

يعدُّ الدقائق

يستنطق اللحظات الرتيبة

يخشى على الفكرة العبقرية

تصطكُّ أسنانه في الظلام

ويفزعُ من ضجَّة الهمهمات

التي تتدلَّى برفِّ الأغاني

يتراقص ليل المغنين

ُتبتهجُ الورقات

ويَصفِر في الليل

بوقٌ لزريابَ

يخمرُّ خدُّ سعاد الصباحِ هنالكَ

في

الغرفة المظلمة

يتجلى هنا

ليضيء الشموع

حضرت فكرة

في فؤاد ابن جني

هو الآن في حمأة الفكر يستحضر المفردات

ليكتبَ

عن وردةٍ

عند خولة أنبتها المتنبي

يودُّ و يسعى لكي يستعيد تفاصيل ما قد رآه

عن البرق بينهما

وهو يبحثُ لكنها

الغرفة المظلمة

واقعٌ دون قصد

وراء الخزانة

لكنه غاضب

كيف صارت حدائقه في الظلام

كيف قلنا بأن القصائد جرْمٌ

وأن قصيدته في الحرام

(وما الناس إلا هالك وابن هالك

وذو نسب في الهالكين عريق)

كيف قلنا ولكنها

الغرفة المظلمة

ويقيم الفرزدق إيوانه للهجاء الطويل المرير

لتسعين جامعةً لم تزل خلف ديوانه

عاجزة

ُثمّ ينشد:

هذا الذي يعرف

الرفُّ وطأتَهُ

في زحام التفاصيل

في

الغرفة المظلمة

يستعيدُ ابنُ زيدون حريةً

سلبتْهُ الدواوين ميثاقها

ويقبِّل ولادةً

َثم يبصقُ في درب عبدوس

بصقته الحارقة

غرفةٌ مظلمة

ينتفض

في المنام اليقظ

السيوطي يبحث فيما تبقى من الكلمات التي شاءها أن تدوم

وشاء المحقِّق أن تنتقض

غرفةٌ مظلمة

يتنحى قليلا قليلا

بجوار الإضاءة يصحو ابنُ رشد

ويفتِّش في دفتر الذكريات عن القصير واللذةِ المعرفية

يبكي الزمانَ الطويلَ الطويلا

غرفةٌ مظلمة

ويعيد تفاصيل غرفته الثامنة

يتلفَّت دنقل في دهشة الصابرين

يمدُّ لسان التفجُّع

من قسوة الليل والظلمة الساكنة

ويشاهد في غمرة الوجد

بطرس غالي

وهو يملي قناعاته في الحياة

ُّيستبدُّ به الوجع السرمدي

ويصرخ: لا لا تصالح

ولو حبسوا صوتك الحرَّ في

الغرفة المظلمة

تتضايق من زحمة العاشقين على الرفِّ

كانت على صخرها تذرفُ الدمع والحسرة المؤلمة

ثم كانت خُناس الجليلة تبكي على الألق المتراكم في عمقِ صخرٍ

وتأبى التنازل للعابرين

ولكنها الآن في زحمة العاشقينَ وفي

غرفة مظلمة

ينتشي المتنبي

ليسأل عن حلب والجليس الذي كان خير جليسٍ لأصحابه

والسيوف التي ملأت حلباً

والخيولِ التي لا تجيد التحمحم في

عمق بغدادَ لكنه يتراجع

لا أحد في البلاد

ثم ينظم مرثية في الحداد

إذا تَرَحَّلتَ عن قومٍ و قَد قَدَروا

ألا تُفارِقهُم فالراحلون هُمُ)

غرفة مظلمة

يتثاءب رفٌ بهيج

يجمعُ الكلمات التي ملأت

مفردات السنين من الشعر والبحث والفكر وانتثرت بالأريج

من أنا؟

غير جزء من الرفِّ تملؤني الذكريات

وأملؤه بالحروف التي ربما

ستضيء لنا

الغرفة المظلمة

وهنا كيف تصنعني دمعةً

هذه الأرفف المؤلمة؟

فتذوبُ التفاصيل

والذكريات

أبي واليمامة دربُ زبيدةَ

أوراقه عن تمي ..

كيف لي ..

سأحا ..

ربما ..

رب ..

رب ..

هذه التمتمة

و حنينُ التذكُّر

تقتلني

هذه

الغرفة المظلمة

من أنا ؟!

أيها الصامتون

على أرفف المكتبات

لكم ضجةٌ دون صوت

لكم لذة السنوات الطويلة

لي لحظة في العبور

ولي رجفة الشوق نحو الكتاب

من أنا؟!

دفترٌ وجواب

قلمٌ وارتياب

لحظةٌ من نمو السنابل

ليلٌ من الأمنيات

تفاصيل من تمتمات التوقع

أين يكون كتابي الأخير

وأين الحروف ستذهب في

الغرفة المظلمة

ربما ذات يومٍ هنا

يستعيد فراسٌ

حديثَ التوقع

حين يشاهدني

قد سكنتُ الرفوف

ُوأصبحت مثل العيون التي تترقب

في

الغرفة المظلمة

الجليسُ الكتابُ

الصديقُ الكتابُ

الأنيسُ الكتابُ

الذي كان يملؤني بالنشيدِ

ويطعمني بالقصيد

وأعرفه بالحنان الرقيق ونبض الحروف

ِولكنني دون أن أتذكّر غادرتُه في زحام الرفوفِ الأنيقة

في

ْغرفةٍ مظلمة