يُخِيطُ الثَّرَى ثَوْبَ الرَّبِيعِ لِيَسْتُرَا
جُرُوحاً بِأَعْمَاقِ النُّفُوسِ غَوَائِرَا
فَلَا يَغْدُرَنَّكَ الزَّهْرُ فَوْقَ مَقَابِرٍ
فَرِيحُ الخُزَامَى لَا تُمِيتُ المَجَازِرَا
وَكَمْ كَفَّنَتْ جُرْدُ المَرَاعِي عِظَامَنَا
بِعُشْبٍ تَرَاهُ العَيْنُ غَضّاً نَوَاضِرَا
رَأَيْتُ نَسِيمَ الفَجْرِ يَسْرِقُ مَدْمَعاً
وَيَسْكُبُهُ فِي ثَغْرِ الأَقَاحِ جَوَاهِرَا
فَكُلُّ غَدِيرٍ رَاقَ حُسْنُ صَفَائِهِ
غَدَا لِنَزِيفِ الرَّاحِلِينَ مَقَابِرَا
إِذَا ضَحِكَ السِّمْطُ المُرَصَّعُ بِالنَّدَى
فَإِنَّ بِصَدْرِ الأَرْضِ طَعْناً بَوَاتِرَا
وَمَا الغَيْمُ إِلَّا زَفْرَةٌ بَعْدَ حَسْرَةٍ
تَصَاعَدَ فِيهَا الدَّمْعُ كَوْناً مَوَاطِرَا
فَلَا تَحْسَبَنَّ الرَّعْدَ صَوْتَ مَسَرَّةٍ
فَمَا هُوَ إِلَّا صَرْخَةٌ لَنْ تُغَادِرَا
تَشِيبُ اللَّيَالِي وَالسِّنُونَ تَسُوقُنَا
إِلَى حَتْفِنَا، وَالعُمْرُ يَمْضِي مُسَافِرَا
نَسِيرُ عَلَى الجَمْرِ المُغَطَّى بِأَنْجُمٍ
وَنَحْسَبُ أَنَّا نَقْطَعُ الدَّرْبَ سَائِرَا
هِيَ الأَرْضُ رَحِمٌ لِلْمَنَايَا وَمَلْحَدٌ
تُعِيرُكَ أَثْوَابَ الحَيَاةِ مَوَاخِرَا
فَمَا كُلُّ رَوْضٍ يَبْعَثُ الحِسَّ حَيّاً
وَلَا كُلُّ عِطْرٍ يَطْرُدُ المَوْتَ صَائِرَا
سُقِينَا بِكَأْسِ المُرِّ حَتَّى كَأَنَّنَا
نَرَى النَّصْلَ فِينَا شَاعِراً وَمُسَامِرَا
نُدَارِي نُصُولَ السَّهْمِ بَيْنَ ضُلُوعِنَا
وَنُبْدِي لِأَبْصَارِ الأَنَامِ بَشَائِرَا
وَتِلْكَ المَبَانِي الشَّامِخَاتُ بِحُسْنِهَا
مَشَائِدُ طِينٍ قَدْ حَوَتْ مَنْ تَعَافَرَا
يَنَامُ القَتِيلُ المُرْتَجَى فِي ضَرِيحِهِ
وَيَمْشِي الأَثِيمُ الحُرُّ يَهْزَأُ كَابِرَا
فَمَا نَفَعَ الرَّيْحَانُ لَحْداً مُهَدَّماً
إِذَا كَانَ سُكَّانُ القُبُورِ خَوَاسِرَا
نَغُصُّ بِأَيَّامٍ تَمُرُّ سَرِيعَةً
كَمَا مَرَّ بَرْقٌ فِي الدُّجُنَّةِ خَاطِرَا
وَنَبْنِي قُصُوراً فِي الهَوَاءِ رَفِيعَةً
وَمَا نَحْنُ إِلَّا طِينُ قَبْرٍ تَنَاثَرَا
فَصِلْ رَحِمَ الأَحْزَانِ إِنَّكَ رَاحِلٌ
وَدَعْ عَنْكَ زَيْفاً بِالْمَظَاهِرِ صَائِرَا
يَقُضُّ صَمْتَ الدُّجَى حَتْفٌ يُسَاقُ لَنَا
وَيَحْشُرُ الكَوْنَ فِي نَعْشٍ نَشَائِرَا
تَغْتَالُ كَفُّ المَنَايَا كُلَّ أُمْنِيَّةٍ
تَبْدُو عَلَى ثَغْرِ هَذَا العُمْرِ بَوَاذِرَا
فَمَا الحَيَاةُ سِوَى حُلْمٍ يُجَلِّلُهُ
زَيْفُ النَّعِيمِ وَيُخْفِي المَوْتَ صَائِرَا
تَغْلِي النَّزِيفَاتُ فِي الأَحْشَاءِ صَامِتَةً
وَيَحْسَبُ الجَاهِلُ الأَثْوَابَ زَوَاهِرَا
إِذَا نَعَى الدَّهْرُ أَحْلَاماً بِجَوْفِ لَيْلٍ
أَجَابَتِ الشَّمْسُ بِالدَّمْعِ صَوَائِرَا
فَلَا يَغُرَّنْكَ صَفْوٌ مَازَجَ الرَّغَدَا
يَمُجُّ هَذَا المَدَى نَقْعاً وَعَاصِرَا
نَمَصُّ كَأْسَ الرَّدَى شَهْداً وَنَلْثَمُهُ
وَنَحْسَبُ النَّصْلَ أَنْوَاراً بَوَاهِرَا
يُصَفِّقُ المَرْءُ لِلْأَيَّامِ مِنْ سَفَهٍ
كَكُلِّ مَنْ رَقَصُوا خَوْفَ البَوَاتِرَا
خِتَامُهَا أَنَّ مَوْجَ المَوْتِ يَطْلُبُنَا
وَلَنْ تَرَى لِفَتَىً فِي القَبْرِ نَاصِرَا
سَنَرْحَلُ اليَوْمَ عَنْ دُنْيَا نُعَانِقُهَا
وَنَتْرُكُ المَالَ وَالجَاهَ المَفَاخِرَا