تخطَّ إلى المحتوى

أحقا علينا الدهر دارت دوائره

الطويل

٣٥ بيت

الرثاء

أَحَقّاً عَلَينا الدَهرُ دارَت دَوائِرُهْ

أَما إنَّهُ لِلدينِ صارَت مَصائِرُهْ

فَشَدَّ عَلى الإِسلامِ ذا اليَومَ ريبُهُ

بِخَطبٍ وَكانَت لا تُعَدُّ كَبائِرُهْ

ألا إنَّهُ الدَهرُ المُصَرَّحُ بِاِسمِهِ

بِأَن لا فَتىً إِلّا غَدا وَهْوَ داهِرُهْ

بَواتِرُهُ فينا مُجَرَّدَةٌ وَما

بَواتِرُهُ وَاللَهُ إِلّا بَوائِرُهْ

لَها كُلَّ يَومٍ في البَرِيَّةِ فَتكَةٌ

تُناديكَ لا مُنجاةَ مِمّا تُحاذِرُهْ

فَكَم مَلَكٍ ضَخمٍ تَخطَّفَهُ الرَدى

قَساوِرُهُ مِن حَولِهِ وَأَساوِرُهْ

تَخَرَّمَ كِسرى كاسِراً حَدَّ بِطشِهِ

وَقَيصَرَ أَردى ما وَقَتهُ مَقاصِرُهْ

وَما زالَ يُفني كُلَّ عِزٍّ يَؤُمُّهُ

بِبَأسٍ وَيُلقي كُلَّ قِرنٍ يُساوِرُهْ

هُوَ المَوتُ مَن ذا دافِعٌ مُبرَمَ القَضا

إِذا الواحِدُ القَهّارُ وافَت أَوامِرُهْ

فَسُبحانَ مَن تَعنو الوُجوهُ لِوَجهِهِ

وَلا حَيَّ إِلّا وَهوَ بِالمَوتِ قاهِرُهْ

دَعا اليَومَ مُحيي الدينِ نَحوَ جَنابِهِ

يَقرِّبُهُ مِن قُدسِهِ وَيُجاوِرُهْ

سَرى نَعيُهُ في كُلِّ حَيٍّ فَفي الوَرى

تَعازيهِ لَكِن في الجِنانِ بَشائِرُهْ

وَباتَت شُؤونُ الدينِ تَجري شُؤونُها

عَلى فَقدِهِ وَالفِقهُ تَدمى مَحاجِرُهْ

وَكُلُّ اِمرِئٍ يَبكي عَلَيهِ دَماً فَما

عَواذِلُهُ في الحُزنِ إِلّا عَواذِرُهْ

لَعَمرُكَ ما لِلشَرقِ ذا اليومَ أقتَمَتْ

مَشارِقُهُ وَاليَومَ أَظلَمُ ناظِرُهْ

وَلِلدينِ وَجدٌ لَيسَ تُطفَأُ نارُهُ

وَلِلشَرعِ طَرفٌ لَيسَ يُقلِعُ ماطِرُهْ

أَصابَ بَني الإِسلامِ خَطبٌ عَرَمْرَمٌ

بِذا اليَومِ فَالإِسلامُ تَبكى مَنابِرُهْ

لقد كان فيه الشيخ ركناً مشيداً

وكانت طلاعَ الخافقين مآثرُهْ

فَطَبَّقَ آفاقَ البَرِيَّةِ ذِكرُهُ

وَسارَ بِهِ بادي الزَمانِ وَحاضِرُهْ

إِمامٌ بِأَفواهِ الجَميعِ عُلومُهُ

وَبَحرٌ بِأَعناقِ الجَميعِ جَواهِرُهْ

مُبارَكُ خُلْقٍ طيّبُ الذِكرِ عابِدٌ

مَهذَّبُ طَبعٍ مُشرِقُ الوَجهِ سافِرُهْ

بَقِيَّةُ ذاكَ السالِفِ الصالِحِ الَّذي

بِأَمثالِهِ الأَقطابِ جَلّت ذَخائِرُهْ

قَد اِرتَفَعَت أَسرارُهُ وَتَطَهَّرَت

لَهُ سِيَرٌ غُرٌّ حَكَتها سَرائِرُهْ

وَأَصبَحَ في أَيّامِهِ عَلَمَ الهُدى

تَعُمُّ البَرايا بِالضِياءِ مَنايِرُهْ

تَداعَت بيوتُ العِلمِ يَومَ وَفاتِهِ

وَخَرّ عِمادُ الفَضلِ وَاِنهَدَّ عامِرُهْ

وَراحَ عَلَيهِ الفِقهُ يَلطُمُ وَجهَهُ

إِذ اِنتَكَثَت مِمّا دَهاهُ مَرائِرُهْ

وَلَم أَدرِ أَنَّ الصَبرَ تَفَنى دُروعُهُ

إِلى أَن قَضى وَالعَزمُ تُفْرَى مَغافِرُهْ

فَقَد فَرَغتُ مِن كُلِّ باكٍ دُموعُهُ

كَما نَزَفَت مِن كُلِّ راثٍ مَحابِرُهْ

تَرَحَّلَ عَن دارِ الفَناءِ إِلى الَّتي

بِها عَيشُهُ في الخُلدِ تَجري كَواثِرُهْ

فَقَد دُكَّ طَودٌ باذِخُ المَجدِ شامِخٌ

وَغُيِّضَ بَحرٌ زاعِبُ الفَيضِ زاخِرُهْ

وَأُغمِدَ سَيفٌ صارِمُ الحَدِّ باتِرٌ

وَغُيِّبَ بَدرٌ ثاقِبُ النورِ باهِرُهْ

سَلامٌ عَلى قَبرٍ تَضَمَّنَ تُربَهُ

فَذلكَ لَحْدٌ ساطِعُ العرفِ عاطِرُهْ

سَقَت تُربَهُ الوَطفا وَلا بَرِحَ الحَيا

يُراوِحُهُ في رَجعِهِ وَيُباكِرُهْ

وَما المَوتُ إِلّا مَسلَكٌ عَمَّ نَهجُهُ

وَجِسرٌ جَميعُ الخَلقِ لابُدَّ عابِرُهْ

وَما المَرءُ إِلّا مَيّتٌ وَاِبنُ مَيّتٍ

وَمَن بَدْؤُهُ الميلادُ فَالمَوتُ آخِرُهْ