فكري يحاورُ تائهًا معذورا
هذا الوجودَ العالي المنظورا
ضمّ الخلائق في نظامٍ متقنٍ
ميزانُ كونٍ ساده التقديرا
حاولتُ في نفسي تخيّلَ خالقٍ
وحدودَ كونٍ رقعةً وعصورا
وسألتُ نفسي والوساوسُ ديدني
منْ كانَ من قبلِ الوجودِ ظهيرا
هلْ جاءَ من عدمٍ وتفنى ذاته
أو كانَ قبلاً أوّلاً وأخيرا
فإذا بعقلي بلْ كياني كلّه
كالطالبين من الدجى تنويرا
وشعرتُ أنّي لم يعدْ في هاجسي
إلّا شروداً فارغاً وقصورا
وتصاغرتْ نفسي كأنّ بروحِها
بين الترائبِ لا تُعين زفيرا
عاينتُ حولي لم أجدْ في عالمي
إلّا جهولاً فانياً وفقيرا
بشر تقودهمُ الغرائزُ للهوى
حتّى بها تبعوا الضلالة نيرا
أيقنتُ إنّ الخلق منشأُ خالقٍ
تعلو دلائله الخليقةَ نورا
فرأيتُ رحمَتك الوجودَ تصوغه
ورأيتُ حلمك للنفوسِ مُجيرا
ورأيتك المولى بخلقك منصفاً
ورأيتُ سترك للعبادِ غفيرا
ورأيت علمك للوجودِ مدبّراً
والكلّ يجري مُحكماً وأسيرا
وعرفتك الباري بكلّ خليقةٍ
وبها رأيتك مُرشداً وبصيرا
ومنحت رزقك للخلائق كلها
في حكمةٍ ومُقدَّرا تقديرا
أعطيت من دون السؤال تفضّلا
ونشرتَ جودكَ للوجودِ وفيرا
أوجدت بالحرفين كلّ خليقةٍ
وفتقْت دخّان السماء خبيرا
وغفرت إلّا الشركَ لمْ تغفرْ له
ووصفتَ نفسكَ للمسيء غفورا
أحييت خلقَك والضلالة حتفهم
وبعثتَ فيهم مُرشداً وبشيرا
فإذا بأكثرهم عصوا بصلافةٍ
رسلَ السّماء ومن يقوم نذيرا
أذللتَ دونك بالفناءِ وإنّهم
بالكفر باتوا عصبة ونفيرا
ما كانَ خلقك للوجودِ لحاجةٍ
دمت الغنيّ وهادياً وكبيرا
حين المعاصي تحتويني ساهياً
بمصائبٍ ستجيرني تذكيرا
لو بتُّ ليلي راضيًا مترجّيًا
لوجدتك الكافي بها ونصيرا
تبّاً لقلبي إنْ دعوتك موجِساً
ألاّ تكون إلى الدخيلِ مجيرا
سلّمتُ أمري للعزيز وإنّني
بالغيب أؤمن واثقاً وقريرا