قصد المدينة بعد ما سئم القرى
ورأى منابتها صعيدا مقفرا
دخل المدينة وهو يمشي حائرا
حتى يظن بمشيه متبخترا
حسب المدينة ذات مال وافر
يعدى الفقير به فيصبح موسرا
فسعى الى شغل فأعيا نيله
وسعى الى موت يريح فقصّرا
فأتى المطاعم والموائد صفقت
ورأى الطعام مفلفلا ومعصفرا
فسعى ليدخلها فرد بضربة
عنها وكان يظنها دار القرى
ويكاد يلتهم الطعام بعينه
إذ لم ينل فمه الطعام الأوفرا
ويبث حسرته إليه كأنما
ظن المآكل بالتحسر تشترَى
يرنو لأصحاب المطاعم خائفا
أن يضربوه وأن يهان ويزدرى
لكن يحدق في الزبائن خلسة
يرجو الندى ويخاف من أن يزجرا
عين تراقب عين صاحب مطعم
خوفا وعين ترتجي جود الورى
كالهر يدخل في المطاعم راجيا
لكسيرة مترقبا أن ينهرا
وإذا رموا عظما لخارج مطعم
يعدو له مثل الجواد إذا جرى
متسابقا هو والكلاب بحلبة
كل يروم بصيده أن يظفرا
لم يمتهن فن السؤال ولم يجد
للشحذ لفظا في النفوس مؤثرا
يأبى بلفظ في السؤال مكرر
والسب أهون من سؤال كررا
يبغي التقدم في السؤال وما درى
ان التقدم فيه عين القهقري
الجسم إن يسقط يقف بنهاية
والنفس ان سقطت تديم تدهورا
في الليل يرقد وهو يلتحف السما
متوسدا حجرا ومفترشا ثرى
والصبح يوقظه بعثرة عابر
فيفيق يزفر ناقما متكسرا
وينام فوق القش خوف رطوبة
والماء تحت القش يجري أنهرا
متبردا بالصيف في أمل الشتا
متذكرا للصيف إن برد عرا
يبكي لماء الوجه كيف أراقه
من دون أن يروي ثراه فيزهرا
يهوى لقريته الرجوع فيختشى
في قومه من أن يعيش محقرا
عرفته قريته العزيزة سائلا
والسؤل عار عند سكان القرى
قد كان يأمل أن يعود بثروة
أتراه يرجع خائبا متحسرا
ويفر ان ير في المدينة واحدا
من قومه ويروم منه تسترا
وإذا التقى رغما ببعض رفاقه
أغضى وود من الحيا أن يقبرا
سيميت منه الفقر باقي حسه
والحس شيء إن يمت لن يحشرا