وَأَطَلَّ فَجْرٌ مُشْرِقٌ
يَسْرِي كَسِرٍّ مُغْلَقِ
يَفْتَحُ فِي صَمْتِ الدُّجَى
أَبْوَابَ وَعْيٍ مُبْهَمِ
وَالنُّورُ فَضْ فَضْفَضَ فِي
أَرْكَانِ عَقْلٍ مُظْلِمِ
فَضْ فَضْ ثُمَّ فَضْفَضَتْ
أَفْكَارُهُ فِي الْمُقْتَحِمِ
وَالرِّيحُ حَفْ حَفْحَفَتْ
فِي كُلِّ أُفْقٍ مُبْهَمِ
حَفْ حَفْ ثُمَّ حَفْحَفَتْ
كَالسُّؤَالِ فِي الْمُبْتَسِمِ
تَسْأَلُ: مَنْ أَنَا الَّذِي
يَمْشِي وَيَجْهَلُ مَا انْتَمَى؟
هَلْ كُنْتُ ظِلًّا عَابِرًا
أَمْ كُنتُ صَوْتًا فِي الْعَدَمِ؟
وَالْمَاءُ نَبْ نَبْنَبَ فِي
نَبْضِ الزَّمَانِ الْمُنْعَدِمِ
نَبْ نَبْ ثُمَّ نَبْنَبَتْ
أَمْوَاجُهُ كَالْمُحْتَكِمِ
وَالْبَابُ قَرْ قَرْقَرَتْ
أَصْوَاتُهُ فِي الْمُقْتَسِمِ
قَرْ قَرْ ثُمَّ قَرْقَرَتْ
كَالْخَوْفِ فِي صَوْتِ الْفَمِ
وَالزَّمَنُ دَارَ دَوَارَهُ
بَيْنَ التَّبَدُّلِ وَالنَّدَمِ
يَسْحَبُ مَا فِي وَجْهِهِ
مِنْ أَلْفِ مَعْنًى مُنْتَقِمِ
أَفْنَى الْمَعَانِي كُلَّهَا
إِلَّا سُؤَالًا لَا يُرِمِ
مَا غَايَةُ الْخُلْقِ الَّذِي
يَسْعَى وَيَفْنَى فِي الْعَدَمِ؟
وَالنَّفْسُ زَعْ زَعْزَعَتْ بِي
بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْأَلَمِ
زَعْ زَعْ ثُمَّ زَعْزَعَتْ
كَالرِّيحِ فِي صَدْرِ الظُّلَمِ
وَالنَّبْضُ دَقْ دَقْدَقَ فِي
قَلْبِي كَدُقِّ الْمُرْجَمِ
دَقْ دَقْ ثُمَّ دَقْدَقَتْ
أَصْدَاؤُهُ فِي الْمُقْتَحِمِ
أَمْشِي وَفِي عَيْنِي السُّؤَالُ
يَسْعَى إِلَى الْمُسْتَبْهَمِ
مَنْ أَنَا؟ مَنْ يُرْسِلُ الصَّدَى؟
مَنْ ذَا الَّذِي فِيَّ انْتَمَى؟
أَأَنَا الَّذِي يَحْيَا وَيَمْضِي
أَمْ ذَاكَ صَوْتٌ مُنْعَدِمِ؟
أَمْ أَنَّنِي ظِلٌّ يَسِيرُ
وَالْكَوْنُ يَمْشِي بِالنَّسَمِ؟
وَالنَّبْضُ فَوْقَ صَدَاهُ
يَسْرِي كَسِرٍّ مُغْلَقِ
أُصْغِي فَيَنْبَثُّ الهُدَى
فِي صَمْتِ عَقْلٍ مُشْرِقِ
وَأَنَا صَائِغُ القَوَافِي
أَحْكِي الجَمَالَ بِمَنْطِقِي
أَبْنِي الكَلَامَ مَصَاغَةً
مِنْ لُؤْلُؤٍ مُتَألِّقِ
أَسْبُكُ الحَرْفَ انْسِجَامًا
كَالنُّورِ فِي المُتَدَفِّقِ
وَأُحَوِّلُ الصَّوْتَ نَغْمًا
فِي وَزْنِ بَحْرٍ مُطْلِقِ
فَإِذَا القَصِيدُ تَنَفَّسَتْ
أَصْدَاؤُهُ كَالرِّيحِ فِي
آذَانِ مَنْ أَصْغَى لَهُ
وَتَرَاهُ حَيًّا مُشْرِقِ
هَذَا مَقَامِي فِي الْمَدَى
وَالفَخْرُ فِيَّ مُحَقَّقِ
صَائِغُ قَوْلٍ إِنْ يَسِرْ
يَسْرِي كَضَوْءٍ مُطْلِقِ
وَإِذَا انْتَهَى هَذَا الْمَدَى
بَقِيَ الصَّدَى فِي الْأُفُقِ
وَالقَوْلُ يَبْقَى شَاهِدًا
أَنَّ الجَمَالَ مُعَلَّقِ