دخلتُ على بابِها منكسرًا
كأني سؤالٌ يتيهُ بلا أيِّ جوابْ
وكانتْ هناكَ، تجلسُ في عتمةٍ
تلمُّ البخورَ، وتَسقي السحابْ
على الطاولةِ أوراقُ موتى قديمة
ووجوهُ أناسٍ غيبتهمُ التُّرابْ
وفنجانُ قهوةٍ ما زالَ دافئًا
كأنّ القدرَ ينتظرني ولا يستجابْ
عيونُها مثلُ كهفٍ بعيدٍ عميقٍ
يدلُّك نحو احتراقِك، لكنْ بلا اقترابْ
لمحتُ بها ظلَّ طفولتي الضائعة
ووجهَ أبي… وضحكاتِ أمٍّ ذوتْ كالهِضابْ
وأدركتُ أني غريبٌ هنا
وأني سأُسجَنُ في قلبِها كالكتابْ
مدَّتْ يديها إلى فنجاني المرتعشْ
كأنها تلتقطُ فيه آخرَ أنفاسيَ البائسةْ
حدَّقتْ طويلًا… وفي عينِها
بريقٌ يذيبُ الحديدَ إذا لامسَتْه القسوةْ
رأيتُ وجهي مكسورًا هناكْ
وطفلًا يركضُ في صحراءِ روحي
يحملُ بعضَ الحنين… وبعضَ البكاءْ
قالتْ: "يا هذا…
ما عُدتَ كما كنتَ يومًا،
في قلبِكَ طوفانُ أشواقْ
في صوتِكَ بحرٌ، وفي عَينِكَ موتٌ
وفي دربِكَ وردٌ… ولكنْ شوكُهُ
يمتدُّ أكثرَ من حدودِ الأعمارْ"
قلبتْ فنجاني مرتينِ
شهقتْ… كأنّها تبتلعُ صرخةً من الغيبْ
ارتجفتْ جبهتُها كجدارٍ تصدَّعَ
حين هبّتْ عليه رياحُ المصيبْ
قالتْ: "طريقُكَ محفوفٌ بالوردِ
لكنَّ شوكَهُ لا يُغفرْ
ستُحبُّ امرأةً
لكنها ليستْ لك
ولا لغيرِك
ستظلُّ تحلمُ بها في كلِّ ليلٍ
وذاكَ الحنينُ لا يُكسَرْ
ستبكيها في صمتِ المآقي
وذاكَ السرُّ لن يُنشرْ"
قالتْ: "ستأتيكَ امرأةٌ من شغَفٍ
في معصمها نايُ وطنْ
وفي صوتها عتابُ العصورْ
لكنها لعنةُ البحرِ…
من اقتربَ منها غرقْ"
كانتْ كلماتُها مثلَ أمواجٍ
تجرُّني نحو غرقٍ محتومْ
أحسستُ أني سأهوى إليها
كما يهوي الليلُ في حضنِ القبورْ
وأني سأبقى أسيرَ يديها
كما يُساقُ الطيرُ إلى شباكِ الصيادْ
سألتُها: "وهل هذا حبٌّ؟
أم نوعٌ من القصاصْ؟
أنا ما طلبتُ النجومَ
بل قبلةً…
لا تُخلّف احتراقًا…
ولا التباسْ"
فأجابتْ:
"ليس في الحبِّ عدلٌ
هو قدرٌ…
يُكتبُ بالنارِ لا بالإحساسْ
تُساقُ إليه كالأسرى
ولا خيارَ لكَ
إلا أن تموتَ في محرابِه
كما يموتُ الطيرُ في فخٍّ نُصِبْ"
قالتْ: "ستتعلمُ أن الصبرَ في الحبِّ وجعٌ
وأن الدموعَ صلاةٌ بلا منبرْ
ستعرفُ أن كلَّ الذين أحبّوا
ماتوا في حروفِ الانتظارْ
وأن العاشقَ لا يختارُ…
بل يُختارْ"
كأنها تزرعُ في داخلي
بذورَ بكاءٍ لا ينتهي
وتُعلّمني أن الحنينَ
سجنٌ لا يفتحُ أبوابَه أحدْ
ثم أغلقتْ فنجاني… وقالتْ:
"سيرُكَ منهكٌ قبلَ الخطى
ووجهُكَ مكتوبٌ في كتابِ الشقاءْ
ستحبُّها…
وستموتُ بها…
فلا تعتبرْ، ولا تتفاءلْ
فهذا… هو القضاءْ"
وكانتْ كلماتُها جدرانًا
تسقطُ فوقي بلا مفرّ
تدفنني حيًّا
وتتركني أتنفّسُ الغبارْ
خرجتُ، وفنجاني في صدري
كجرحٍ محفورْ
أمشي على أرصفةٍ عمياءْ
تسقطُ أوراقُها مثل بكاءِ الخريفْ
وتنحني على روحي الرياحْ
كأنها تُلقّنني درسَ الانكسارْ
كنتُ أبحثُ عنها في عيونِ المارّة
وفي أغنيةِ بائعِ الوردْ
لكنها لم تجيءْ
ولم يترُك لي الزمنُ غيرَ صمتي
وخطواتي المتعبةْ
أحيا بانتظارِ امرأةٍ
تذبحني…
ثم تبكي على قبري كسطورْ
وأقولُ: يا أيها القلبُ، هذا قدرُك
فاصبِرْ كما تصبرُ الأشجارُ على ريحِ الشتاءْ
أحببْها وإن كانتْ نارًا
وابكِها وإن كنتَ بحرًا
فالحبُّ ليس ما نختارُه
الحبُّ هو ما يختارُنا
ويتركُنا دمىً على أرصفةِ القدرْ