وَإِنْ طَالَتِ الْأَسْفَارُ فَاصْبِرْ فَإِنَّهَا
تُعِيدُ اشْتِيَاقَ الْوَصْلِ بَعْدَ تَدَانِينَا
فَكَمْ مِنْ غَرِيبٍ قَدْ تَنَاءَى مُجْبَرًا
وَعَادَتْ لَهُ الْأَيَّامُ دِفْئًا فِي حَنَانِينَا
تُخَبِّئُهُ الذِّكْرَى وَتَحْنُو صُوَرُهُ
وَكَأَنَّ الزَّمَانَ الْيَوْمَ عَادَ يُنَادِينَا
نُطِيلُ التَّمَنِّي كَيْ نُدَاوِيَ وَحْشَةً
وَنَرْقُبُ فِي لَيْلِ الْبُعَادِ سُفَانِينَا
فَلَا الْيَأْسُ يُجْدِي إِنْ شَكَتْنَا جِرَاحُنَا
وَلَا الْحُزْنُ يُبْقِي بِالْفُؤَادِ سُكَّانِينَا
وَلَكِنَّنَا فِي كُلِّ صَبْرٍ بِالْعِزِّ كَرَامَةٌ
وَبِكُلِّ وَجْدٍ نَخْوَةٌ بِالْمَجْدِ تُحَايِينَا
فَيَا نَفْسُ لَا تَجْزَعِي إِذَا طَالَ لَيْلُنَا
فَإِنَّ الضُّحَى لَا بُدَّ أَنْ يُحْيِيَ جَاهِينَا
أَلَمْ نَرَ فِي الصَّبْرِ افْتِخَارَ أَحِبَّةٍ
وَفِي دَمْعِهِمْ نَارُ الْوَدَاعِ تُكَافِّينَا؟
تَمُرُّ اللَّيَالِي مِثْلَ وَعْدٍ مُعَذِّبٍ
وَنَحْنُ عَلَى الْعَهْدِ الْقَدِيمِ صَفَايْنَا
لَئِنْ غَابَ وَجْهُ الطَّيْفِ عَنَّا بُرْهَةً
فَمَا غَابَ عَنْ صَدْرِي وَلَا عَنْ عُيُونِينَا
أُحِبُّكِ فِي الصَّمْتِ الْمُخَبَّأِ خَافِقِي
وَفِي نَبْضِ هَذَا الشَّوْقِ إِذْ يُلْقِي مَآقِينَا
إِذَا مَرَّ طَيْفُكِ فِي خَيَالِي هَامِسًا
تَفَتَّقَ صُبْحٌ مِنْ رُؤَاكِ يَدْنُو يُحَايِينَا
فَمِنْكِ ابْتِدَاءُ الْحُلْمِ دُونَ نِهَايَةٍ
وَمِنْكِ اخْتِتَامُ الْبَوْحِ فِينَا وَفِينَا
عَلَى ضَوْءِ حَرْفٍ كُنْتِ بَيْتَ قَصِيدَتِي
وَصِرْتِ الْمَعَانِيَ حِينَ صَارَتْ يَدَيْنَا
أَنَا السَّاهِرُ الْمَحْزُونُ أَنْتَظِرُ الرُّؤَى
لِتُشْعِلَ فِي صَدْرِي اشْتِعَالَ أَمَانِينَا
وَلَوْ أَنَّ دَرْبَ الْحُزْنِ بَاتَ طَرِيقَنَا
فَنَبْضُكِ فِي صَدْرِي يُخَفِّفُ آنَانِينَا
أَيَا زَهْرَةً فِي الْقَلْبِ تَنْمُو صَبَابَةً
تُلَوِّنُ فِي أَيَّامِيَ الْمَاضِي أَلَاحِينِينَا
إِذَا مَا اجْتَمَعْنَا بَعْدَ شَوْقٍ مُؤَرِّقٍ
فَعُذْرًا لِدَمْعٍ فَاضَ حِينَ يُلَاقِينَا
تَدَلَّى مِنَ الْأَشْوَاقِ حَبْلُ قَصَائِدٍ
فَقَدْ كُنْتِ لِلشِّعْرِ الْجَمِيلِ مَعَانِينَا
أُحِبُّكِ، لَا قَوْلٌ يُسَاوِي مَعَانِيهِ
سِوَى مَا تَفِيضُ الرُّوحُ حِينَ تُبَكِّينَا