تخطَّ إلى المحتوى

جئت القصيد وفي يدي قنديله

الكامل

٣٨ بيت

النسيب

جِئْتُ الْقَصِيدَ، وَفِي يَدِي قِنْدِيلُهُ

أَشْعَلْتُهُ، فَاهْتَزَّ فِيهِ جَمَالُ

سِرْتُ الْهَوَى، وَاللَّفْظُ مِنْ أَنْفَاسِهِ

وَسَكَبْتُ مِنْ وَجْدِ الْمَعَانِي صَالُ

أَهْدَيْتُ لِلْغِيدِ الْحُرُوفَ، فَصَاغَهَا

طَيْفُ الْجَمَالِ، وَعَانَقَ التِّمْثَالُ

لَمَّا رَسَمْتُكِ بِالشَّذَى، تَنَفَّسَتْ

كَفُّ الْقَصِيدَةِ، وَانْتَحَى الْإِهْمَالُ

كُلُّ الَّذِي قَدْ قِيلَ فِيكِ كَأَنَّهُ

قَبَسٌ يُضِيءُ، وَشِعْرُهُمْ ظِلَالُ

جَفَّتْ مَحَابِرُ مِنْ سِوَايَ، وَحَرْفُنَا

نَبْضٌ، وَذَاكَ النَّبْضُ فِيهِ كَمَالُ

أُهْدِيكِ مِنْ قَلْبِ الْمَجَازِ قَوَافِلًا

وَبِكُلِّ بَيْتٍ لِلْحُسْنِ احْتِفَالُ

وَلِكُلِّ حَرْفٍ مِنْكِ طَلْعَةُ رَاهِبٍ

سَجَدَ الْجَمَالُ، وَخَافَهُ الْإِخْلَالُ

هَذَا الْهَوَى، مَا عَادَ يُخْفَى صَوْتُهُ

فِي كُلِّ نَبْضٍ، أَوْ دُمُوعٍ سَالُوا

فَاسْمَعْ قَصِيدَ الْعَاشِقِينَ، فَإِنَّهُ

نَبَأُ الْجَمَالِ، وَسِرُّهُ الْمِيثَالُ

فِي وَجْنَتَيْكِ تَدَفَّقَتْ أَنْهَارُهُ

خَمْرُ الْجَمَالِ، وَشَهْدُهُ سَيَّالُ

وَسَمَتْ بِكِ الْأَوْصَافُ حَتَّى خِلْتُهَا

فِي نَحْتِ وَصْفِكِ عَاجِزًا سِجَالُ

وَبَدَا النَّسِيمُ مُحَرَّقًا مِنْ طَيْفِكِ

مُتَأَدِّبًا، وَكَأَنَّهُ سِرْبَالُ

تَخْتَالُ فِيكِ الرُّوحُ، يَا ذَاتَ النُّهَى

وَيَكَادُ يَفْتِنُ كُلَّ مَنْ يَرْتَالُ

إِنْ قُلْتِ: "لَا"، سَجَدَ الْهَوَى مُتَبَتِّلًا

وَإِذَا ابْتَسَمْتِ، فَكُلُّهُ ابْتِهَالُ

وَيَكَادُ مِنْ وَقْعِ الْجَمَالِ لِسَانُهُ

يَغْدُو ثَقِيلًا، وَالْعُيُونُ خَيَالُ

فَكَأَنَّنَا عُشَّاقُ نُورٍ وَاحِدٍ

فِيهِ الْبَصَائِرُ سُكْرُهَا مِثَالُ

هَذَا الْبَيَانُ، وَإِنْ يَطُلْ فِي وَصْفِكُمْ

يَبْقَى الْقَصِيدُ بِجَنْبِكُمْ مَوَالُ

جَاءَتْكِ أَرْوَاحُ الْحُرُوفِ رُكُوعُهَا

وَنُسِجْنَ حَوْلَكِ بِالْهَوَى أَوْشَالُ

مَا بَيْنَ غَيْمِ الْحُسْنِ وَالْأَهْدَابِ قَدْ

سَكَنَ الْهَوَى، وَتَمَزَّقَ الْآمَالُ

يَا نَجْمَةً صَلَّتْ لَهَا أَقْمَارُهَا

وَتَهَامَسَتْ فِي مَدْحِهَا الْأَشْكَالُ

لَكِ فِي اعْتِدَالِكِ فِتْنَةٌ لَا تَنْقَضِي

وَلَكِ انْحِنَاءٌ فِي الْهَوَى يُسْتَقَالُ

رَيْحَانَةُ الْأَوْصَافِ، كَمْ مِنْ عَاشِقٍ

فِي صَمْتِ صَدْرِكِ ذَابَ وَاسْتِرْسَالُ

وَكَأَنَّ خَطْوَكِ دَعْسَةٌ مِنْ نُورِهِ

نَسَجَتْ فُصُولًا فَوْقَهَا الْأَفْيَالُ

تَتْلُو النُّجُومُ إِذَا بَدَوْتِ نَشِيدَهَا

وَيَخِفُّ حَوْلَ جَمَالِكِ الْمُخْتَالُ

أَهْوَاكِ لَا عَنْ ضَعْفِ قَلْبٍ، إِنَّمَا

قَلْبِي بِذِكْرِكِ بِالْغَرَامِ يُكَالُ

وَسَكَبْتُ مِنْ رُوحِي الْقَصِيدَةَ كُلَّهَا

لِتَكُونَ قُرْبَكِ لِلْبَيَانِ مِثَالُ

فَإِذَا خَتَمْتُ حُرُوفِيَ الْمُشْتَاقَةَ

تَبْقَى حَكَايَاكِ الْبَهَاءَ تُقَالُ

هَذَا خِتَامُكِ، لَا خُفُوتَ لِعِطْرِهِ

فَالْحُسْنُ، مِنْ عَيْنَيْكِ فِيهِ يُقَالُ

قَدْ طَافَ سِحْرُكِ فِي الْقَصِيدَةِ، وَانْتَشَى

قَلْبُ الْحُرُوفِ، وَأَزْهَرَتْ أَوْصَالُ

مَا كُلُّ مَنْ كَتَبَ الْجَمَالَ بَلَاغَةً

إِلَّا وَعِنْدَكِ ظِلُّهُ مِنْهَالُ

فَالْآنَ تَخْشَعُ فِي الْجَمَالِ قَصَائِدٌ

وَيُرَدِّدُ الْعُشَّاقُ: هَذَا الْحَالُ

إِنْ قِيلَ: أَيْنَ يَفِيضُ سِرُّ فِتْنَةٍ؟

قِيلَ: الَّتِي فِي وَجْهِهَا الْإِجْلَالُ

وَإِذَا تَنَفَّسَ نَاظِمٌ فِي وَصْفِهَا

سَكَتَ الْبَيَانُ، وَزُلْزِلَتْ أَقْوَالُ

مَا أَجْمَلَ الدُّنْيَا إِذَا نَفْسٌ بِهَا

تَغْدُو الْجَمَالَ، وَحُسْنَهَا الْوَصَّالُ

هَذِي الْقَصِيدَةُ، شِرْعَةُ الْعُشَّاقِ قَدْ

خَطَّتْ سُطُورًا، مَا لَهَا إِقْفَالُ

فَارْحَلِي بِهَا فِي كُلِّ دَرْبٍ، وَامْنَحِي

أُذُنَ الزَّمَانِ نُبُوءَةً تُتْلَى لَهُ الْأَجْيَالُ

وَسَتَذْكُرُ الدُّنْيَا بِأَنَّكِ فِتْنَةٌ

سَجَدَ الْجَمَالُ، وَخَرَّ فِيهَا الْخَيَالُ