تَمَطَّى اللَّيْلُ فِي البَيْدَاءِ يَنْثُرُ سِرَّهُ
كَأَنَّ الدُّجَى يَشْكُو ضَيَاعَ التَّظَلُّمِ
وَرِيحُ الصَّبَا تَسْرِي وَتَسْأَلُ رَمْلَهَا
أَيَبْقَى لِعَقْلِ النَّاسِ ظِلُّ التَّعَتُّمِ
وَنَجْمُ السَّمَاءِ الرَّاقِدُ المَتَأَنِّي
يُشِيرُ إِلَى طُرُقِ الهُدَى وَالتَّفَهُّمِ
فَيَنْهَضُ فِي أَفْقِ الحَيَاةِ كِتَابُهُ
كَسَيْلِ ضِيَاءٍ فِي دُجَى اللَّيْلِ مُبْرِمِ
يُعَلِّمُ مَنْ ضَلَّ الطَّرِيقَ إِلَى العُلَى
وَيَرْفَعُ أَقْدَارَ العُقُولِ المُقَوَّمِ
وَيَسْرِي فِي أَعْمَاقِ الصُّدُورِ مَسَارُهُ
فَيَغْدُو ضِيَاءُ الفِكْرِ فَوْقَ التَّوَهُّمِ
وَمَا الكُتْبُ إِلَّا مَجْدُ قَوْمٍ تَجَدَّدُوا
بِهَا فَاسْتَقَامُوا فَوْقَ ذُلٍّ وَمَأْتَمِ
تُفَكِّكُ أَسْرَارَ الزَّمَانِ وَغَيْبَهُ
وَتَكْشِفُ عَنْ مَعْنَى الحَيَاةِ المُبْهَمِ
كَأَنَّ حُرُوفَ الصَّفْحِ سَيْفٌ مُصَقَّلٌ
يَشُقُّ دُجَى الجَهْلِ الشَّدِيدِ المُعَتَّمِ
وَيَحْفِرُ فِي أَعْمَاقِ عَقْلٍ مُعَطَّلٍ
مَعَانِيَ نُورٍ لِلْفُؤَادِ المُقَسَّمِ
فَمَنْ طَلَبَ الإِدْرَاكَ صَارَ مُهَذَّبًا
وَرَاقَ إِلَى عِزٍّ رَفِيعٍ وَمَحْكَمِ
وَمَنْ جَاهَلَ الأَفْهَامَ أَصْبَحَ هَائِمًا
كَظِلٍّ بِرَمْلٍ لا يَرَى غَيْرَ مَظْلِمِ
وَكَمْ عَالِمٍ أَحْيَا الرُّبُوعَ بِنُورِهِ
فَأَصْبَحَ فِي الإِنْسَانِ أَعْلَى المُكَرَّمِ
وَكَمْ جَاهِلٍ أَفْنَتْهُ غَفْلَةُ رُوحِهِ
فَضَاعَ كَأَثَرٍ فِي مَهَابِ الرِّيحِ يَنْتَمِي
وَفِي الكُتْبِ أَسْرَارُ الزَّمَانِ وَحِكْمَةٌ
تُرَتِّبُ فَوْضَى العَقْلِ أَجْمَلَ مُنْتَظَمِ
وَتَسْقِي لُبَابَ النَّفْسِ مِنْ فَيْضِ فِكْرِهَا
فَيُزْهِرُ فِي الإِنْسَانِ صَدْقُ التَّفَهُّمِ
فَحَيَّ عَلَى الكُتْبِ الَّتِي فِيهَا الرُّقَى
وَفِيهَا حَيَاةُ الرُّوحِ فَوْقَ التَّحَكُّمِ
تُعَلِّمُ أَنَّ العِلْمَ أَبْقَى وَأَشْرَفُ
وَأَبْقَى مِنَ الأَنْسَابِ وَالحَسَبِ السَّمِ
وَأَنَّ الَّذِي يَرْقَى بِغَيْرِ مَعَارِفٍ
كَسَاعٍ إِلَى ظِلٍّ وَهْمٍ مُتَوَهَّمِ
فَخُذْ مِنْ رُبَى العِلْمِ المَجِيدِ سَمَاوَةً
تُعَانِقُ فِيهَا نَفْسُكَ العِزَّ وَتَرْتَقِمِ