سَقانِي الهَوَى مِن مُقلَتَيْها صَبَابَةً
فَغِبْتُ، وَما أَدْرَكتُ صَحْوِي ولا سُكْرَا
أُطارِدُ طَيْفَها في اللَّيْلِ مُنْكَسِرًا
كَأَنِّيَ نَجْمٌ في الدُّجَى أَوقَدَ الشَّرَّا
مَرَتْ، فاهْتَزَّ قَلْبِي كالغُصونِ إِذا
تَمَايَلَ مِنْ وَقْعِ الصَّبَا وَتَكَسَّرَا
وَأَلْثِمُ أَثَرَ الخُطُوَاتِ في طُمَأْنِنٍ
كَأَنَّ الثَّرَى مِنْ فِيهَا استَحالَ عِطْرَا
إِذا لاحَ ثَغْرُ الصُّبْحِ مِنْ وَجْنَتَيْهَا
تَوَارَى لَهَا شَمْسُ الضُّحَى خَجَلًا وَقَهْرَا
أُنَاجِي خَيَالًا مِنْ طُيُوفِ مَحاسِنٍ
فَيَسْكُنُنِي سِرٌّ وَيُوقِظُنِي سِحْرَا
وَمَا خُلِقَتْ عَيْنٌ تُضَاهِي جَمَالَهَا
وَلا نَظَرٌ يَبْلُغْ مَدَاهَا إِذا نَظَرَا
أُسِيرُ إِلَيْهَا وَالخُطُوبُ عَواصِفٌ
فَأَلْقَى طَرِيقَ الحُبِّ مُنْفَرِجًا يُسْرَا
وَإِنْ لامَنِي قَوْمِي قُلتُ: مَهْلًا، فَإِنَّنِي
رَأَيْتُ الحَيَاةَ بِغَيْرِ وَجْهٍ لَهَا قَفْرَا
أُفَتِّتُ صَخْرَ البُعْدِ إِنْ بَانَ طَيْفُهَا
وَأَحْمِلُ في صَدْرِي مِنَ الوَجْدِ بَحْرَا
وَإِنْ أَطْبَقَ اللَّيْلُ الطَّوِيلُ جَنَاحَهُ
حَسِبْتُ سَنَاهَا في الظَّلَامِ هُوَ الفَجْرَا
لَهَا ضَحِكَاتٌ لَو تُلامِسُ صَخْرَةً
لَفَاضَتْ رُبًى وَانْهَارَ عَنْهَا التَّحَجُّرَا
وَإِنْ عَبَسَتْ عَبَسَ الزَّمَانُ وَأَهْلُهُ
وَأَمْسَى جَمِيعُ الكَوْنِ مِنْ غَيْظِهَا حُرَّا
أُعَلِّقُ قَلْبِي فَوْقَ بَابِ دِيَارِهَا
كَغُصْنٍ عَلَى شُبَّاكِهَا عِشْقُهُ اسْتَقَرَّا
يُحَدِّثُنِي وَجْهُ النَّسِيمِ بِاسْمِهَا
فَأَسْكُتُ… وَيَصْرُخُ مُقْلَتِيَّ لَهَا سِرًّا
إِذا قِيلَ صَبْرٌ قُلْتُ: هَيْهَاتَ مَا عَلِمُوا
بِأَنَّ الغَرَامَ اسْتَوْطَنَ القَلْبَ وَاسْتَقَرَّا
كَأَنَّ دِمَائِي حِينَ تَجْرِي بِحُبِّهَا
تُرَتِّلُ اسْمَهَا شِعْرًا وَتَسْكُبُهُ سَحْرَا
وَإِنْ غِبْتُ عَنْهَا لِلصَّبَاحِ تَوَهَّجَتْ
رُؤَاهَا بِصَدْرِي فَاشْتَعَلْتُ بِهَا نُورَا
لَهَا في فُؤَادِي مَوْطِنٌ لَا يُزَاحِمُهُ
سِوَاهَا، وَمَا عُدْتُ أَرَى بَعْدَهَا غَيْرَا
فَيَا مَنْ سَلَبْتِ الرُّوحَ وَالعَقْلَ مُنْذُهَا
خُذِينِي إِلَيْكِ، فَمَا لِيَ عَنْكُنَّ مَصْدَرَا
أُحِبُّكِ حُبًّا لَو تَفَجَّرَ مِدْرَارُهُ
لَغَرَّقَ أَفْلَاكًا وَأَطْفَأَ لَيلًا وَفَجْرَا
فَإِنْ مُتُّ، فَاكْتُبِي عَلَى قَبْرِ مُغْرَمٍ:
هُنَا سَاكِنٌ أَفْنَاهُ حُسْنٌ فَمَا اعْتَذَرَا