أَلا يا صَبَاحَ الشَّوقِ هاجَ ضَميرِي
وَأَضرَمَ في أَضلاعِ قَلبي سَعيرِي
مَرَرتُ بِأَطلالِ الحَبيبَةِ وَالهَوَى
يُنادِينيَ المَخبوءُ وَهيَ تَغِيرُ
فَقالَت رِيَاحُ البانِ وَهْيَ تَمايَلَتْ
أَما زِلتَ تَهفُو؟ قُلتُ: بَل أَطيرُ
عَلى أَثَرِ الأَقدامِ كُنتُ مُوَلَّعًا
كَأني ظَمآنٌ وَالمَدامُ غَديرُ
أُقَبِّلُ ظِلَّ الدَّربِ لَمّا تَبَدَّدتْ
شُموعُ الأَماني وَالدُّجى مُستَنيرُ
وَأَرسُمُ في رَملِ الفِراقِ مَلامِحًا
إِذا لاحَ وَجهُ الصُّبحِ وَهيَ تَميرُ
سَأَلتُ النُّجومَ اِينَ الَّتي قَد سَبَتني
فَقالت: عَلى الآفاقِ تَبسُطُ نُورِي
لَها مِن شَذاهِ المِسكِ عِطرٌ مُخَدِّرٌ
وَمِن وَجهِها صِبحٌ صَبوحٌ مُنيرُ
إِذا مَرَّ طَيفُها عَلى جَفنِ نائِمٍ
سَقاهُ مِنَ الأَشواقِ ماءً غَزيرُ
كَبَدرٍ تَجَلّى في الدُّجى فَتَهَشَّمَتْ
لَدَيَّ جُيوشُ الحُزنِ وَهيَ حَسيرُ
أُعاتِبُ لَيلي وَاللَّيالي تَواصَلَتْ
فَقالَ لَنا لا بُدَّ يَومٌ سَيَسيرُ
وَأُقسِمُ لَو أَنَّ الزَّمانَ مُطاوِعي
لَجَعَلتُهُ حَولَ الجَمالِ يَدورُ
وَلَو أَنَّ قلبي في الوغى كانَ فارسًا
لَما أَسَرَتهُ نَظرةٌ وَثُغورُ
وَلَكِنَّهُ صَبٌّ أَسيرُ لَحَاظِها
إِذا اِبتَسَمَتْ ذابَ الحديدُ وَصَخورُ
تُقَلِّبُني بَينَ الرَّجاءِ وَلوعةٍ
فَفي كلِّ طَرفٍ مِن جُفوني سُطورُ
أَأنسى؟ وَكَيْفَ النَّسيانُ طَريقُنا
وَفي كُلِّ شِعرٍ مِن هَواها عُطورُ
وَإِن غابَ وَجهُ الشَّمسِ يَومًا فَإِنّها
تَجيءُ بِمَحياها وَيَحيا الزَّمانُ يَسيرُ
أُحادِثُ طَيفَها إِذا الليلُ أَرخى
سُدولًا وَفي الأَعماقِ وَجدٌ يَثورُ
وَأَكتُبُ اِسمَها عَلى وَرقِ دَمعي
فَتَضحَكُ مِنهُ الصَّخرُ وَالبَحرُ يَغورُ
لَها في فُؤادي عَرشُ حُبٍّ مُؤَبَّدٌ
وَفي كُلِّ نبضٍ عِشقُها يَفورُ
فَيا بَانةَ الوادي تَمايَلي لَعلَّني
أَرى طَيفَها وَالشَّوقُ فيَّ كَبيرُ
أَنا العاشِقُ الهَيّامُ مَا عِشتُ ساعَةً
إِلّا وَهَمُّ الحُبِّ فيَّ يَثورُ
فَإِن كانَ ذَنبي أَن أُحِبَّ فَإِنّني
بِه مُفتَخِرٌ ما دامَ قَلبي حَيٌّ صَبورُ
وَسَيبقى هَواها في دَمي وَقَصيدَتي
إِلى أَن يُوَارِينِي التُّرَابُ العَبيرُ