تخطَّ إلى المحتوى

سلام على أرض الخلود وعطرها

الكامل

٤٤ بيت

النسيب

سَلَامٌ عَلَى أَرْضِ الْخُلُودِ وَعِطْرِهَا

تَسْقِي اللَّيَالِيَ مِنْ سَنَاءِ الْكَوْكَبِ

أَرْضِ الْبُطُولَاتِ الَّتِي مَا زَالَهَا

تُذْكِي الْمَدَى وَتُضِيءُ فِي كُلِّ الدُّرُبِ

فِي مَدْخَلِ سَلْقِينَ كَانَ لِقَاؤُنَا

وَالْفَجْرُ فَوْقَ جَبِينِهَا كَالشُّهُبِ

عَيْنَاكِ يَا سَارَةُ انْهَمَرَتْ رُؤًى

كَالْمَوْجِ يُسْرَجُ فِي ضِفَافِ السُّحُبِ

هَلْ كُنْتِ مِنْ عِطْرِ الْخُلُودِ وَلَوْعَتِي؟

أَمْ أَنْتِ سِرٌّ فِي سُطُورِ الْكُتُبِ؟

يَا فِتْنَةً تَخْتَالُ فَوْقَ رُبُوعِنَا

حُبًّا يُعِيدُ الْمَيْتَ بَعْدَ النَّصَبِ

فِي وَجْنَتَيْكِ يَنَامُ حُبِّي سَاطِعًا

كَالنُّورِ فِي قَلْبِ الْغُيُومِ الْعَجَبِ

سَلْقِينُ يَا دَرْبَ الزَّمَانِ وَمَوْطِنِي

وَالْحُلْمُ فِيكِ مُسَافِرٌ لَمْ يَغْتَرِبِ

مِنْ تُرْبَةِ التِّينِ الْمُوَشَّى بِالنَّدَى

صَعِدَ الْهَوَى، وَالنَّبْضُ فِيكِ طَرَبِ

مَا أَغْرَبَ التَّارِيخَ! كَيْفَ أَعَادَنَا

لِعِنَاقِ مَاضٍ غَائِرٍ فِي الْكُتُبِ

أُمَوِيَّةُ الرَّايَاتِ، يَا أَمْجَادَنَا

صَفَحَاتُهَا بَيْنَ الْقُصُورِ تُقْلَبِ

هَذِي سَلْقِينُ الْمَلِيكَةُ فِي الدُّنَا

تُهْدِي الْعُصُورَ قَصَائِدًا لَا تُنْهَبِ

فِي ظِلِّ زَيْتُونٍ تُخَبِّئُ سِرَّهَا

وَتَفِيضُ أَنْغَامًا كَعَزْفِ الْأَوْتُبِ

وَالسَّاقِيَاتُ تَبُوحُ سِرَّ حَنِينِهَا

لِلْعَابِرِينَ عَلَى الضِّفَافِ الرَّطَبِ

يَا سَارَةَ الْحَسْنَاءِ مَا أَبْهَاكِ فِي

حُلْمٍ يُطِلُّ عَلَى مِدَادِ الْغَرْبِ

بَيْنَ الْجُفُونِ رَسَمْتِ لَوْحَ سَعَادَةٍ

يَشْدُو بِهِ قَلْبِي كَزَهْرِ الْعُشُبِ

فِي حَضْرَتَيْكِ يَذُوبُ صَوْتِي خَاشِعًا

كَالطُّهْرِ فِي الْمِحْرَابِ وَقْتَ الْمَغْرِبِ

هَلْ أَسْتَطِيعُ الْبَوْحَ يَا مَلَكُوتَهَا؟

أَمْ قَدْ يَطُولُ الصَّمْتُ بَيْنَ الْكَوْكَبِ

سَلْقِينُ يَا أَمَلِي وَدَارَ طُفُولَتِي

وَمَرَافِئِي، وَمَلَاذَ رُوحِي الْمُتْعَبِ

لَكِ فِي دَمِي نَبْضُ الْخُلُودِ وَعِشْقُهُ

وَمَلَاحِمُ التَّارِيخِ ذَاتُ الْمَوْكِبِ

فِيكِ الْحَضَارَاتُ اعْتَلَتْ قِمَمَ الْعُلَا

وَتَمَايَلَتْ كَالنَّخْلِ بَيْنَ السُّحُبِ

فَاخْضَوْضَرَتْ فِيكِ الْحَيَاةُ كَأَنَّهَا

بُسْتَانُ عِطْرٍ فَاضَ بَعْدَ التَّصَعُّبِ

سَطَرَ الزَّمَانُ عَلَى جَبِينِكِ مَلْحَمَةً

لَمْ تُمْحَ رَغْمَ تَقَلُّبٍ وَتَقَلُّبِ

كَمْ مَرَّ غَازٍ فَوْقَ أَرْضِكِ فَانْمَحَى

وَبَقِيتِ أَنْتِ كَآيَةٍ فِي الْمَذْهَبِ

فِيكِ الْكَنَائِسُ وَالْمَسَاجِدُ إِخْوَةٌ

صَوْتُ الْمَآذِنِ مَمْزُوجٌ بِصَوْتِ جَرْنَبِ

مَا هَزَّكِ الطُّوفَانُ، بَلْ زِدْتِ الْعُلَا

كَالطَّوْدِ شَامِخَةً بِوَجْهِ الْعَاصِبِ

يَا سَارَةَ الْعَيْنَيْنِ مَا أَحْلَاكِ إِنْ

نَادَى الْهَوَى قَلْبِي كَصَوْتِ مُهَذَّبِ

فِي ثَغْرِكِ الْبَسَمَاتُ تُورِقُ رَوْضَةً

تُسْقِي الْقُلُوبَ بِنَشْوَةٍ لَمْ تُكْتَبِ

غَنَّى بِكِ الشُّعَرَاءُ حَتَّى أَزْهَرَتْ

أَوْتَارُهُمْ كَالْعُشْبِ بَعْدَ التَّصَبُّبِ

يَا زَهْرَةً عَانَقَتْ رُبَا سَلْقِينَ فِي

زَمَنٍ يُعِيدُ الرُّوحَ بَعْدَ التَّعَذُّبِ

مِنْ طِيبِكِ اسْتَيْقَظَتْ قُلُوبٌ مَيِّتٌ

فَرَجَعَتْ كَالْأَطْيَارِ بَعْدَ التَّغَرُّبِ

كَمْ شَاعِرٍ أَهْدَى لِوَجْهِكِ قِصَّةً

لَكِنْ يَضِيعُ الْحَرْفُ دُونَ تَعَجُّبِ

وَحْدِي وَقَفْتُ أَمَامَ سِحْرِكِ خَاشِعًا

كَالْعَابِدِ الْمَدْهُوشِ عِنْدَ الْمَنْسَبِ

سَلْقِينُ يَا مِلْءَ الْعُيُونِ وَيَا هُدَى

يَا جَنَّةً مِنْ نَسْمَةٍ تَتَعَطَّبِ

أَجْيَالُنَا شَرِبُوا هَوَاكِ قَصِيدَةً

مُذْ كَانَ فِي التَّارِيخِ أَوَّلُ كَوْكَبِ

وَالتِّينُ يَحْمِلُ مِنْ عَبِيرِكِ نَخْوَةً

كَالدَّمْعِ فَوْقَ مَوَاسِمٍ لَمْ تُنْهَبِ

وَالْعِنَبُ ارْتَسَمَتْ عَلَى عَتَبَاتِهِ

كُلُّ الْأَغَانِي مِثْلَ لَحْنِ الْمَوْكِبِ

فِيكِ الْمَحَارِيثُ اسْتَرَاحَتْ سَاعَةً

ثُمَّ ارْتَقَتْ بِجُهُودِ فِجْرٍ مُتْعَبِ

يَا مَوْطِنِي الْأَبْهَى وَيَا سِحْرَ الْمَدَى

أَنْتِ الْغَرَامُ وَمَوْطِنِي وَالْمَطْلَبِ

فِيكِ ارْتَقَى أَجْدَادُنَا، فَبَنُوا الْعُلَا

وَبُذُورُهُمْ أَنْجَبَتْ كُلَّ الْعَجَبِ

وَالْيَوْمَ أُقْسِمُ أَنْ أَكُونَ مُخَلِّدًا

ذِكْرَى هَوَاكِ عَلَى جَبِينِ الْكَوْكَبِ

نَامِي عَلَى كَفِّي قَصِيدَةَ عَاشِقٍ

يُهْدِي إِلَيْكِ الرُّوحَ دُونَ تَعَجُّبِ

هَذِي سَلْقِينُ عَلَى جَبِينِ زَمَانِنَا

تَزْهُو كَنَجْمٍ سَاطِعٍ لَمْ يَغْرُبِ

تَبْقَى الْقَصِيدَةُ فِي صَدَاهَا خَالِدَةً

وَتَظَلُّ مِثْلَ النُّورِ بَيْنَ الْكُتُبِ