تخطَّ إلى المحتوى

تذكرت عهدا من لجين

غير معروف

١١٢ بيت

النسيب

تذكرتُ عهداً من لجين

وكان لهب الوجد

يسعر في دمي.

أقبلت…

وشعرها

ليلٌ طويل

انسكب على كتفيها،

أسود فاحم،

كأرضٍ بللها المطر.

يتدلّى في عِقصٍ ثقيلة

كأنها أسرار الليل

حين يعجز الفجر عن كشفها.

كانت

كشمس المحاسن

حين تشرق فجأة

في قلب رجلٍ غافل.

أو مثل أمواج دجلة

عند الغروب،

فتلمع على سطحها

كسورٌ من الضوء،

وتحوم حولها الحمائم

كظل النخل في عراق بعيد،

أو زهرة تفتحت بين نجمتين.

وفي عينيها

زُرقة هادئة

ترمي سهامها

دون أن تدري.

رأيتها في الحي

بيضاء فارعة،

هيفاء

كغصن لم تمسه الريح.

ريح المخلخل تفوح من خطواتها،

فتتبعها أنفاس الطريق.

كانت تمرّ

كأنها ذكرى،

وتغيب

كأنها حلم لم يكتمل.

وعندما جاء الوداع

سال الدمع

على خدّيها

هادئاً

كجدول صغير.

قلت لها:

مهلاً يا لجين…

فما الجمال

إلا دولة عابرة،

تزدهر يوماً

ثم تمضي.

كالأقحوانة في صباح نيسان

ندية ممتلئة بالضوء،

لكنها تعرف

في سرّها

أن الذبول قادم.

خلت الديار

وغاب صوت الركاب،

وبين الضلوع من الفراق

بلبلٌ يبكي.

غرثان من وجد

وريقك شهدك،

لكن درب الوصل صار يُقفل.

جفّت دموعي من الأسى،

وذكراك في صدري

رياح تعصف بلا رحمة.

رأيتها مرة أخرى

في منتزه الحي.

حولها ضحكات الفتيات

وحديث الشباب.

العالم هناك

ممتلئ بالأنس،

بينما في بيوتنا

الجوع والحصار والعويل.

لم أكن أدرك

أن لجين تحبني

حتى تفوه فمها بالكلمات

المغموسة بالعسل.

ولو خُيّرت

بين نساء الأرض جميعهن،

لاخترت

التي على شفتيها

آثار دمي.

ودعتها.

وكانت المقلتان سحابتين

تمطران على خدّ مصقول.

وتركتني

أرتجف في داخلي،

تتقاتل أحشائي

كحرب قبيلتين،

وكل القتلى أنا.

ولكن…

بقيتُ أعِدّ السنوات

كما يعد السجين خطوات الحارس في الممر.

تزوجت هي،

كبر أطفالها،

وصارت صورتها باهتة في ذاكرة الحي.

إلا في صدري…

هناك

لم تشخ أبداً.

بقيت تمشي في المساء

بشعر أسود

كليل العراق.

وأنا…

كلما تقدّم بي العمر

أدرك الحقيقة ببطء:

لم أكن أحبها وحدها.

كنت أحب ذلك الرجل

الذي كنته حين كانت تحبني.

لكن ذلك الرجل

مات منذ زمن.

وبقيت

أنا…

أشيّع ذكراه

كل ليل