تخطَّ إلى المحتوى

أنا في أرض الأجانب يا أبي

غير معروف

٦٧ بيت

المتفرقات

أنا في أرضِ الأجانبِ يا أبي،

نظراتُهم إلينا شَزْرٌ، وكلامُهم معي زَجْرُ.

حَزِنتُ وقُلْتُ: حِيلَتي،

حتى دموعُ العينِ شَحَّتْ، واشتاقَ لها النَّحْرُ.

لَهْفي على فِتْيَةٍ في أرضِ السوادِ تركتُهم،

يا ليتَ شِعري ما يفعلُ الدهرُ؟

زُغْبُ الحَواصِلِ والأيتامُ مَعْشَرُهم،

رعاكَ اللهُ يا أبي، وهو جازي الخيرِ.

جِنانُ الخلدِ لكَ مُقَدَّرَةٌ،

مع النبيينَ، والموعدُ الحَشْرُ.

مُصابُنا حقيقةٌ: جوعُ العراقيينَ،

والفقرُ، والموتُ، والغَدْرُ.

كارثتُنا يا سيِّدي،

تَلَمَّسْتُها مُنذُ الصِّبا بأنامِلي العَشْرُ.

تَوَعَّدَنا بَنو صِهْيونَ من دونِ وازعٍ،

بالويلِ والعَسْكَرِ المُجَرِّ.

غَزَتْنا رَعاعُ القومِ من كلِّ جانبٍ،

تساندُها العِربانُ والخيلُ الضُّمْرُ الشُقْرُ.

لا أبا لكَ، يومَ دُمِّرَتْ بغدادُ،

أمطَرَتْ سماؤنا القَطِرانُ، وانتشرَ الذُّعْرُ.

صُقورُ الأعادي في سماءِ بغدادَ،

صواريخُهم دَكَّتْ قُرانَا،

خَرَّبَتْ كلَّ مبانينا،

قَتَلَتْ أطفالَنا في العامِرِيَّةْ،

ولم يُطِرْ بها العِقْبانُ والنَّسْرُ.

وَيْحَ العروبةِ! أنكَرَتْ أطفالَهم،

حُوصِرَتْ أرضُ السوادِ،

وجَفَّتِ الغُدْرانُ، أو نَشِفَ النَّهْرُ.

أَضْحَى العراقيُّ لاجئاً،

يَدُقُّ أبوابَ المَذَلَّةِ،

يَرْتَجي رَغيفَ خُبزٍ أو كَرامَةْ،

يتساءَلُ حائِراً، مَذْهولاً، حَزيناً:

أينَ جامعةُ العَرَبْ؟

أينَ ميثاقُ الأُمَمْ؟

وهل يُعينُ على الويلاتِ إلا كَثْرَةُ الصَّبْرْ؟

أينَ ماضينا المجيدْ؟

أينَ مَجْدُنا التَّليدْ؟

نموتُ والأعداءُ بِشَماتَةٍ تتفرَّجُ،

مَحْظورٌ علينا الغذاءُ،

مَحْظورٌ علينا الدواءُ،

ولا يُعينُ على الويلاتِ إلا كَثْرَةُ الصَّبْرْ.

عارٌ في جبينِ كلِّ مَن يَدَّعي الإنسانيةْ،

أن يموتَ أطفالُ العراقِ، ولا دواءْ.

عارٌ في جبينِ الإنسانيةْ.

وَيْحَكُم! هذا العراقُ تاجُ الكواكبِ،

لا الثُّرَيَّا ولا البَدْرُ.

سَمَا به مَجْدُ العروبةِ أوَّلاً،

رَقَى حتى عَناقِ الأَنْجُمِ الزُّهْرِ.

بيدَ أنَّ طولَ الوَجْدِ أَضْنانِي،

وإنَّ أَرَاضِيكُمُ قَفْرُ.

وأبقى أنا العراقيُّ، تاجُ العروبةِ،

وأَعَزُّ بَني الدنيا، ولا فَخْرُ.

نعم، أنا العراقيُّ،

سَتَنْطَوِي الأيامُ أو يُدْرِكُ النَّصْرُ.

أبي، عَهْدي بكَ مَعْسولُ الحديثِ،

رَحْبُ الذِّراعِ، تُقْرِي الوافِدينا.

أجَرْتَ وأكْرَمْتَ على حاجةٍ،

زُغْبَ الحَواصِلِ وأيتاماً ساغِبينا.

حَليمٌ حَكيمٌ على مَصابِ الدهرِ،

تَهْدي السائلينا.

ضاقَتْ بنا الدنيا على ما وَسِعَتْ يا أبي،

شَحَّ البُكا، وقد جَفَّتْ مآقينا.

قَصُرَتْ يدي عمَّا طَلَبْتُ، عسى يوماً

مَلِيكُ الكونِ أن يأخذَ بأيدينا.

هل تَذْكُرُ حديثي في الحروبْ؟

١٩٩١، في وَقْعَةِ شَرْقيِّ الفراتِ،

أَبَتْ لُيُوثُ الشرقِ أن تُذبَحَ قرابينا